القصة التي يحب بعض الأمريكيين سردها في يوم الاستقلال تبدأ من بندقية. نعم، تسمى بندقية بنسلفانيا أو "البندقية الطويلة"، وكانت حقا مميزة، فداخل السبطانة (الماسورة) الخاصة بها كانت توجد أخاديد لولبية، تجعل الطلقة تدور حول نفسها أثناء الانطلاق للأمام. ومن ناحية فيزيائية بحتة، فإن ذلك الدوران يزيد من ثبات الرصاصة أثناء السير إلى الهدف، ما يعني ارتفاعا في الدقة، مقارنة بالبنادق الأخرى المنتشرة وقتها، والتي امتلكت سبطانة ملساء.
إذا كنت في الولايات المتحدة في هذه المناسبة ربما سيجلس أحدهم بجوارك، في العمل أو في المقهى، ليبدأ فجأة في القول إن رجال الحدود الذين ارتدوا جلود الغزال، قبعوا خلف الجدران الحجرية، واستخدموا هذه البندقية لصيد الجنود النظاميين البريطانيين ذوي المعاطف الحمراء، الذين كانوا من الحماقة بما يكفي للسير في العراء، واحدا تلو الآخر.
إنها قصة ممتازة تصلح لتصبح المشهد الافتتاحي لفيلم هوليوودي كبير من بطولة براد بيت ربما، قصة تحكي عن البراعة والدقة التي تبتكر تكنولوجيا صاعدة تتغلب على القوة الغاشمة، لكن هذه القصة تواجه مشكلة واحدة فقط، وهي أنها خاطئة تماما، والواقع أن التاريخ العسكري دائما أقل رومانسية من القصص الشعبية، فرغم جودة البندقية، إلا أن جودتها تتناقص على مسافة ثمانين ياردة، كما أنها بطيئة في الاستخدام، ولا تكفي وحدها لصنع جيش قادر على الصمود أمام قوة محترفة.
"كتب البارون البروسي فريدريش فون ستوبين الكتاب الأزرق الذي يعد أول دليل للجيش الأمريكي الذي واجه البريطانيين"
والحقيقة أن التحول الأعمق في التاريخ الأمريكي لم يحدث في ماسورة البندقية المحلزنة من الداخل، بل في جسد الجيش نفسه، ونقصد هنا معايير حرجة جدا مثل التدريب، والانضباط، والتنظيم، وبالطبع القدرة على إطلاق النار من هذه البنادق – وغيرها من البنادق الأخرى – والمناورة بذلك كله كوحدة ملتحمة لا كأفراد متفرقين، ولم يحدث ذلك إلا حين وصل البارون البروسي فريدريش فون ستوبين إلى معسكرات فالي فورج، في ولاية بنسلفانيا، في شتاء عام 1778 المتجمد.
بدأ فريدريش بتعليم الجنود كيف يتحركون كجسد واحد، وكيف يحملون السلاح، ويعبئون الذخيرة، ويطلقون النار في صفوف منضبطة، وكيف يستخدمون الحربة، ثم يعيدون تشكيل الخطوط بسرعة وسط المعركة. ثم حول فريدريش هذا التدريب من خبرة شخصية طبقها على مجموعات الجنود إلى نظام مكتوب، فقد وضع لاحقاً كتابه الشهير "لوائح النظام والانضباط لقوات الولايات المتحدة"، المعروف بـ "الكتاب الأزرق"، وهو أول دليل رسمي للجيش الذي واجه البريطانيين، قدم أوامر وتشكيلات تدريب معيارية، وشرحا للانضباط ومهام وواجبات كل جندي وقائد، وقدم رسما واضحا للتنظيم العسكري.
💬 التعليقات (0)