تستخدم سلطات الاحتلال على نحو غير مسبوق اوامر عسكرية لتحديد وتوسيع مناطق نفوذ المستوطنات في الضفة الغربية وخاصة في ظل الاوضاع التي تلت السابع من اكتوبر عام 2023 ، حيث أصدرت منذ ذلك التاريخ ما مجموعه 114 أمرًا عسكريًا لإنشاء أو توسيع مناطق نفوذ المستوطنات ، وهو رقم يعادل تقريبًا مجموع الأوامر التي أُصدرت خلال اكثر من عشرين سنة سبقت. هذه الأوامر أضافت ، وفق تقديرات اسرائيلية أكثر من 25 ألف دونم إلى مناطق النفوذ التابعة للمستوطنات ومهّدت الطريق لإقامة 53 مستوطنة، من بينها 39 مستوطنة جديدة، و14 مستوطنة نشأت نتيجة فصل إداري عن مستوطنات قائمة، إضافة إلى 11 حالة توسع لمناطق نفوذ قائمة. ورغم أن هذه الأوامر لا تحظى عادةً باهتمام إعلامي واسع، فإنها أخذت تشكل مرحلة مفصلية في عملية التوسع الاستيطاني، فبمجرد ضم أراض إلى منطقة نفوذ إحدى المستوطنات، تصبح هذه الاراضي مخصصة للتطوير المستقبلي وتتحول إلى قاعدة لإعداد المخططات وإقامة البنى التحتية والتوسع في عمليات البناء . وفي كثير من الحالات، تسبق هذه الأوامر إقامة المستوطنات الفعلية بسنوات، لكنها تحدد مستقبل الأرض منذ لحظة إصدارها.
في هذا الشأن يرصد تقرير للمنظمة الحقوقية الاسرائيلية " بمكوم " ، صدر حديثا ، تطورًا لافتًا خلال عام 2026، يتمثل في تخصيص مناطق نفوذ استيطانية على أراضٍ كانت تقيم عليها تجمعات فلسطينية تم تهجيرها خلال السنوات الأخيرة ، من بينها على سبيل المثال لا الحصر تجمع عين سامية والمعرجات الوسطى ، اللذان اضطر سكانهما إلى مغادرة أراضيهما في أعقاب ضغوط متواصلة ومتزايدة من المستوطنين. ووفقًا للمنظمة جرى لاحقًا تحديد مناطق نفوذ استيطانية جديدة في هذه المواقع، الأمر الذي يفرض عوائق قانونية وتخطيطية كبيرة أمام أي إمكانية مستقبلية لعودة السكان المهجّرين إلى أراضيهم. ولا تقتصر نتائج هذه الاوامر العسكرية على توسيع المستوطنات القائمة، بل تشمل أيضا ترسيخ السيطرة الإسرائيلية على مناطق أُفرغت من سكانها الفلسطينيين، وتحويل التهجير المؤقت إلى واقع دائم.
تقرير هذه المنظمة الحقوقية الاسرائيلية ، التي تعنى بشؤون " تعزيز العدالة الاجتماعية، والمساواة، وحقوق الإنسان في مجالات التخطيط المكاني وسياسات الإسكان والأراضي " تسلط الضوء كذلك على أوامر عسكرية صدرت خلال عام 2026 لتحديد مناطق نفوذ لمستوطنات جديدة في أجزاء من شمال الضفة الغربية لم تكن تضم مستوطنات في السابق ، وترى أن التأثير التراكمي لهذه الإجراءات يتجاوز حدود كل مستوطنة على حدة. فإقامة مناطق نفوذ استيطانية جديدة في مواقع استراتيجية من الضفة الغربية تؤدي إلى زيادة تجزئة الحيز الفلسطيني، وتقييد إمكانيات التطور العمراني الفلسطيني مستقبلًا، وتعزيز سيطرة الاحتلال على مساحات واسعة من المنطقة المصنفة "ج" ، في الوقت الذي لا تزال التجمعات الفلسطينية في المنطقة "ج" تفتقر إلى مناطق نفوذ معترف بها بصورة مماثلة، الأمر الذي يحد بشكل كبير من قدرة السلطات المحلية الفلسطينية على التخطيط والتوسع السكني وتطوير البنية التحتية وتوفير الخدمات الأساسية للسكان. أخبار ذات صلة خبراء الاحتلال: ثلاث خيارات أمام تل أبيب ومخاوف من نفوذ إيران صحيفة: انتصارات انتخابية تعزز نفوذ التيار المعارض لـ"إسرائيل" داخل الديمقراطيين
الأمر هنا لا يقتصر على المناطق المصنفة بمناطق ( C ) ، بقدر ما يتجاوز ذلك حتى الى المناطق المصنفة ( A ) . فقد كشفت صحيفة " اسرائيل هيوم " الاثنين الماضي عن اوامر مخفية في إطار مخطط استيطاني للسيطرة على نحو 100 نقطة استراتيجية داخل مناطق ( A ) التابعة للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة، الأمر الذي يشكل تحولا خطيرا في مسار سياسة الضم الإسرائيلية . وقالت الصحيفة إن خطة تعدها حركات استيطانية في الضفة الغربية تهدف إلى إحداث تغيير جذري في خريطة المنطقة، من خلال استهداف المناطق المصنفة ( A ) ، وأوضحت أن الخطة، التي يقودها " اتحاد المزارع الاستيطانية " ومنتدى " هابيتا " (الوطن)، ونشرتها الصحيفة لأول مرة، تحدد آلية لتمركز قوات في نحو 100 نقطة استراتيجية في الضفة، في ما يسمى “يوم الأمر” أو “يوم التنفيذ " . وتقع هذه النقاط في عمق المناطق المصنفة ( A ) الخاضعة للسيطرة المدنية والأمنية الفلسطينية بموجب اتفاقية المرحلة الانتقالية لعام 1995 وأشارت إلى أن الخطة عرضت على وزراء في الحكومة الإسرائيلية وشخصيات مقربة من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو .ويأتي هذا المخطط بالتزامن مع مواصلة الجيش الإسرائيلي إنشاء موقع عسكري داخل منطقة مصنفة ( A ) في مدينة جنين، بعد الاستيلاء بأوامر عسكرية على أراض فلسطينية خاصة.
وتسير مخططات السيطرة على الضفة الغربية على هذا الأساس ، وفق مخطط منهجي جرى الإعداد له مسبقاً، وتتحول من مجرد توسع إلى عملية ضم فعلي وإعادة صياغة شاملة للواقع بما يقوض أي فرصة مستقبلية لإقامة دولة فلسطينية متصلة . على هذا الصعيد تتحرك السياسة الاستيطانية الراهنة لحكومة بنيامين نتنياهو اليمينية المتطرفة عبر مسارين متلازمين ؛ يتمثل الأول في الجانب الحكومي الرسمي من خلال إصدار سلسلة من الأوامر العسكرية والقرارات الحكومية لتوسيع المستوطنات القائمة والمصادقة على مخططات هيكلية جديدة، وتخصيص مساحات واسعة للمشاريع المستقبلية ، فيما يعتمد الثاني على إعطاء الضوء الأخضر لمجموعات المستوطنين للتحرك الميداني للسيطرة على الارض من ناحية وتسريع وتيرة تهجير التجمعات البدوية والرعوية من ناحية أخرى ، والتوسع في إقامة بؤر استيطانية عشوائية جديدة تمتد على مساحات واسعة لتشكل أحزمة عازلة تمنع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم ، خاصة بعد ان نقلت الصلاحيات الإدارية والقانونية من سلطة الجيش والإدارة المدنية المؤقتة إلى هيئات ومؤسسات مدنية تدار بشكل مباشر من قبل تيار الاستيطان داخل حكومة الاحتلال اليمينية المتطرفة . هذا التحول يمثل خطوة متقدمة نحو “الضم الفعلي” حيث لم يعد التعامل مع الضفة الغربية يجري بوصفها منطقة خاضعة للاحتلال العسكري المؤقت ، بل يجري التعامل معها باعتبارها جزءاً خاضعاً للسيادة الاسرائيلية ، بعد أن شهدت السنوات الثلاث الأخيرة مصادرة ما يقارب 70 ألف دونم من الأراضي الفلسطينية بموجب أوامر عسكرية متنوعة ، شملت إعلانات السيطرة تحت مسميات “أراضي الدولة” والمحميات الطبيعية والمناطق العسكرية المغلقة. وتكمن الخطورة البالغة في تصنيف نحو 27 ألف دونم من هذه الأراضي كـأراضي دولة ، وهو رقم قياسي يعادل تقريباً مجمل المساحات التي جرى
مصادرتها تحت هذا التصنيف منذ توقيع اتفاقية أوسلو قبل أكثر من ثلاثة عقود. ويتكامل هذا الاستيلاء مع إقامة ما يزيد عن 200 بؤرة استيطانية جديدة، تركزت بشكل رئيسي في الفترة الواقعة بين عامي 2023 ومنتصف عام 2026، بهدف قطع التواصل بين البلدات والقرى الفلسطينية.
💬 التعليقات (0)