لا تُحدث جميع الحروب تحولاً في التاريخ، فالكثير منها ينتهي بإعادة إنتاج التوازنات القديمة بأشكال جديدة. غير أن بعض الأحداث تتجاوز حدودها الزمنية لتصبح ما يسميه علماء السياسة "الأحداث المُؤسِسة"؛ أي تلك التي تُغيِّر طريقة فهم الصراع نفسه، وتعيد تعريف أولويات الفاعلين، وتفرض قواعد جديدة على البيئة السياسية التي نشأت فيها. ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى طوفان الأقصى، بعد مرور ألف يوم على انطلاقه، باعتباره أحد أكثر الأحداث تأثيراً في تاريخ القضية الفلسطينية منذ عقود، ليس فقط بسبب امتداد المواجهة أو حجم تداعياتها، وإنما لأنه أنهى مرحلة سياسية كاملة، وفتح مرحلة أخرى لا تزال معالمها قيد التشكل.
لقد قام النظام السياسي الذي حكم الصراع خلال العقدين الماضيين على فرضية أساسية مفادها أن القضية الفلسطينية أصبحت قابلة للإدارة أكثر من كونها قابلة للحل؛ وأن التفوق العسكري، والاحتواء الأمني، وإعادة ترتيب أولويات الإقليم، يمكن أن تؤدي تدريجياً إلى تقليص مركزية فلسطين في معادلات الشرق الأوسط. وبمرور الوقت، ترسخت هذه المقاربة في كثير من السياسات الإقليمية والدولية، حتى بدا وكأن الصراع دخل مرحلة من "الجمود المستقر"، حيث تستمر الأزمة دون أن تكون قادرة على إنتاج تحولات استراتيجية كبرى.
جاء طوفان الأقصى ليكسر هذه الفرضية من أساسها. فلم يكن مجرد مواجهة عسكرية أو تطور ميداني، بل مثّل لحظة أعادت تعريف طبيعة الصراع، وأثبتت أن القضايا المرتبطة بالهوية الوطنية والسيادة والحقوق التاريخية لا يمكن إخضاعها لمنطق الاحتواء طويل الأمد. لقد أعاد الحدث القضية الفلسطينية من هامش الاهتمام الدولي إلى مركز النقاش السياسي العالمي، وفرض على الفاعلين الإقليميين والدوليين إعادة تقييم تصوراتهم حول مستقبل الصراع، وحدود القوة، وإمكانات الاستقرار في المنطقة.
تكمن أهمية طوفان الأقصى، في التحليل السياسي، في أنه نقل القضية الفلسطينية من موقع "الملف الإنساني والأمني" إلى موقع "القضية الجيوسياسية". فعادت فلسطين لتصبح متغيراً مؤثراً في حسابات القوى الإقليمية والدولية، لا مجرد ساحة تتلقى نتائج التوازنات الخارجية. وهذا التحول، بغض النظر عن مآلات الحرب، يمثل تغييراً في بنية التفاعل السياسي مع القضية، إذ لم يعد بالإمكان مناقشة مستقبل الشرق الأوسط بمعزل عن المسألة الفلسطينية.
ولعل أحد أهم التحولات التي أفرزها طوفان الأقصى هو انتقال الصراع من كونه قضية ترتبط بإدارة الأزمات إلى قضية تتعلق بإعادة تعريف النظام الإقليمي نفسه. فقد كشفت التطورات أن الاستقرار المبني على إدارة التوترات يختلف جذرياً عن الاستقرار القائم على معالجة الأسباب البنيوية للنزاعات. وبهذا المعنى، فإن الحدث أعاد إحياء النقاش حول العلاقة بين الأمن والعدالة السياسية، وبين موازين القوة وإمكانات الوصول إلى تسويات مستدامة.
كما أعاد طوفان الأقصى الاعتبار لمفهوم الفاعلية السياسية في الصراعات غير المتكافئة. فقد أبرز أن الأطراف الأقل امتلاكاً للموارد قد تظل قادرة على التأثير في مسار الصراع وإعادة تشكيل أولوياته السياسية، حتى في ظل اختلال كبير في موازين القوة العسكرية. ولا يعني ذلك بالضرورة تغيراً نهائياً في ميزان القوى، لكنه يعكس حقيقة أن التأثير السياسي لا يُقاس دائماً بالقدرات العسكرية وحدها، بل أيضاً بالقدرة على فرض أجندة جديدة وإعادة صياغة النقاش الدولي.
💬 التعليقات (0)