هل يمكن للإجرام أن يورث، وهل ولادة طفل لأبوين أحدهما أو كليهما معتاد على الإجرام يمكن أن يزوده بجينات تصنع منه مجرما بالفطرة؟ أسئلة شغلت الكثير من الباحثين، أبرزهم العالم المتخصص في علم الاجتماع والجريمة روبرت جيه سامبسون الذي اعتمد على مشروع ضخم تابع آلاف الأطفال والشباب في شيكاغو على مدار عقود، لتتكشف له مجموعة من المفاجآت والنتائج غير المتوقعة، بشأن السؤال الأبرز: هل الإجرام طبيعي أم مكتسب؟
في عام 1876 طرح عالم الجريمة الإيطالي سيزار لامبروزو واحدة من أكثر الفرضيات إثارة للجدل في تاريخ علم الإجرام، وهي أن البشر لا يصبحون مجرمين، لكنهم يولدون كذلك، وأن هناك دائما ما يميزهم ويسهل معرفتهم.
هكذا كان يسير لامبروزو في سجون إيطاليا حاملا فرجارا وشريط قياس لإثبات فرضيته بأن الشر قابل للقياس وأن للمجرمين سمات شكلية مشتركة كالجبهة المنخفضة والفك البارز والأذنين الكبيرتين، وهي فرضية طرحها بالصور والأرقام في كتابه "الرجل المجرم" في أواخر القرن التاسع عشر، إلا أن العديد من الأبحاث اللاحقة دحضت وجهة نظر لامبروزو، حيث لم يبدُ أن الإجرام قابل للقياس "شكليا".
مع ذلك، ظل الأمر محل سؤال لقرنين تاليين، ففي عام 2018 نشرت دراسة بمجلة "سايكولوجيكال ساينس "، طرحت سؤالا رئيسيا هو: "هل يوجد أساس وراثي يجعل بعض الأشخاص أكثر عرضة للسلوك الإجرامي أو المعادي للمجتمع؟".
للإجابة عنه قام الباحثون بمتابعة مجموعتين كبيرتين من الأشخاص لسنوات طويلة لاختبار ما إن كانت جيناتهم قد ترتبط بسلوك معاد للمجتمع أو إجرامي، أو لا، لكن النتائج جاءت مثيرة للغاية. إذ وجد الباحثون أن هناك ارتباطا إحصائيا بين بعض الاستعدادات الجينية وبين زيادة احتمالية السلوك المعادي للمجتمع، لكن هل يثبت ذلك أن فئة من البشر قد تولد لترتكب الجرائم بطبيعتها؟
الإجابة كانت لا، إذ خلصت الدراسة أيضا إلى أن التأثير الجيني المذكور محدود نسبيا، وليس قويا بما يكفي للتنبؤ بمن سيصبح مجرما.
💬 التعليقات (0)