كشفت الوثائق التاريخية ومذكرات القادة العرب عن جذور الأطماع الصهيونية في شبه جزيرة سيناء، والتي بدأت فعلياً منذ عام 1906 عبر بعثات فنية بريطانية. وقد حذر الشيخ أمين الحسيني، مفتي فلسطين، في مذكراته المرفوعة للحكومة المصرية عام 1950 من هذه التحركات التي استهدفت دراسة جغرافية المنطقة تمهيداً لتوطين اليهود فيها وفصل الأقطار العربية في آسيا عن أفريقيا.
استمرت المحاولات الإسرائيلية لفرض واقع جديد في سيناء حتى بعد ثورة يوليو 1952، حيث حاولت تل أبيب التدخل في مفاوضات الجلاء البريطاني عن قناة السويس عام 1954. واعتبرت إسرائيل حينها أن وجود القوات البريطانية يمثل عازلاً أمنياً يضمن استقرار حدودها، معبرة عن قلقها من سيطرة مصر الكاملة على الممرات الملاحية المؤدية إلى ميناء حيفا.
عقب نكسة يونيو 1967 واحتلال كامل سيناء، بدأت إسرائيل في بلورة استراتيجية تهدف إلى تثبيت سيطرتها الميدانية عبر نظام حكم عسكري مباشر. وأظهرت الأرشيفات الإسرائيلية أن القيادة السياسية في تل أبيب تعاملت مع سيناء كأرض محتلة تُدار بأوامر عسكرية، مع إبقاء الخيارات مفتوحة بين الضم الدائم أو استخدامها كأداة للمساومة السياسية.
في ظل تصاعد المواجهات العسكرية وحرب الاستنزاف عام 1968، انتقل جيش الاحتلال من نمط الانتشار المتحرك إلى بناء تحصينات ثابتة عُرفت لاحقاً بـ 'خط بارليف'. وكان الهدف من هذه التحصينات تقليل الخسائر البشرية وتأمين خطوط المواجهة على الضفة الشرقية لقناة السويس، بالتزامن مع محاولات لاحتواء سكان المنطقة قبلياً.
تبلورت في تلك الفترة خطة إسرائيلية خبيثة تهدف إلى 'تدويل سيناء'، أي تحويلها إلى كيان مستقل تحت إشراف دولي ليكون منطقة عازلة دائمة مع مصر. ولتحقيق ذلك، حاولت سلطات الاحتلال استمالة شيوخ القبائل عبر إغراءات مالية وعينية، إلا أن هذه المحاولات قوبلت برفض شعبي صلب وتمسك بالهوية الوطنية المصرية.
دخلت المخابرات الحربية المصرية على خط المواجهة سراً، حيث نسقت مع رؤساء القبائل وعلى رأسهم الشيخ سالم الهرش لإيقاع الاحتلال في فخ سياسي محكم. واتفق الطرفان على إظهار موافقة صورية على مقترحات التدويل، مما دفع وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك موشيه ديان للاعتقاد بأن الطريق بات ممهداً لإعلان الانفصال.
💬 التعليقات (0)