إذا أُجريت الانتخابات الفلسطينية بعد سنوات طويلة من الغياب، فمن المرجح ألا تكون مجرد استحقاق دستوري لتجديد المؤسسات، بل حدثًا سياسيًا استثنائيًا قد يعيد رسم الخريطة السياسية الفلسطينية بأكملها. ولهذا، فالانتخابات المقبلة قد تمثل "انقلابًا سياسيًا" بالمعنى الديمقراطي؛ أي تحولًا عميقًا في موازين القوى يحدث عبر صناديق الاقتراع، لا عبر القوة أو الخروج على الشرعية.
ولا يستند هذا التوصيف إلى الرغبة في المبالغة، بل إلى حجم المتغيرات التي تراكمت خلال العقود الثلاثة الماضية. فبعد ما يقارب ثلاثة عقود من قيادة حركة فتح لمؤسسات السلطة الفلسطينية، لن يصوت الناخب الفلسطيني لوعود انتخابية فحسب، بل سيضع تجربة حكم طويلة بأكملها على ميزان التقييم والمحاسبة.
وفي الأنظمة الديمقراطية، كلما طالت مدة بقاء أي حزب أو حركة في الحكم، ارتفعت التوقعات الشعبية منه، واتسعت دائرة المساءلة. ولذلك، فإن حركة فتح ستدخل أي انتخابات مقبلة وهي تحمل إرث ثلاثة عقود من المسؤولية السياسية والإدارية، بما يشمله من نجاحات وإخفاقات، الأمر الذي يجعلها أمام واحد من أصعب الاختبارات الانتخابية منذ تأسيس السلطة الفلسطينية.
وقد تتحول صناديق الاقتراع، في نظر هؤلاء، إلى أداة للمحاسبة الشعبية على أداء المؤسسات، ومستوى الخدمات، والأوضاع الاقتصادية، والإدارة العامة، والحوكمة، إضافة إلى تقييم المسار السياسي الوطني خلال السنوات الماضية. فالمواطن الذي عاش تجربة السلطة طوال هذه الفترة قد يبني قراره الانتخابي على تقييمه لهذه التجربة أكثر من اعتماده على الشعارات الانتخابية.
ويشير هذا التحليل أيضًا إلى أن الحركة تواجه تحديات داخلية لا تقل أهمية عن التحديات الخارجية. فقد شهدت السنوات الأخيرة خلافات داخل بعض أطر حركة فتح، وبرزت انتقادات من بعض المؤيدين وأعضاء الحركة بشأن إدارة الانتخابات التنظيمية وآليات اختيار القيادات. ويرى أصحاب هذا الرأي أن أي شعور بعدم الرضا داخل القاعدة التنظيمية قد ينعكس على مستوى الحماس الانتخابي أو على درجة التماسك الداخلي إذا لم تُعالج هذه الملفات قبل أي انتخابات عامة.
ومن بين القضايا أيضًا مسألة العلاقة بين قيادات الداخل وقيادات العائدين إلى الأراضي الفلسطينية بعد قيام السلطة الوطنية الفلسطينية. إذ أن هذه الثنائية أسهمت، في بعض المراحل، في بروز تباينات في الرؤى والأولويات وأساليب إدارة العمل السياسي والتنظيمي. ويذهب بعضهم إلى أن جزءًا من كوادر الحركة في الداخل شعر، في أوقات مختلفة، بأن دوره أو تمثيله داخل بعض المؤسسات التنظيمية لم يكن بالمستوى الذي يتناسب مع حضوره الميداني وتاريخه النضالي، في حين يرى آخرون أن القيادات العائدة اضطلعت بمسؤوليات معقدة في بناء مؤسسات السلطة وإدارة العلاقات السياسية والدبلوماسية في ظروف استثنائية. ووفق هذا، فإن نجاح الحركة في أي استحقاق انتخابي قد يتطلب تعزيز التكامل بين مختلف مكوناتها، وإيجاد توازن يضمن تمثيلًا أوسع لقيادات الداخل والعائدين، والاستفادة من خبرات جميع الأجيال والتيارات، بما يعزز وحدتها الداخلية ويحد من أي انقسامات قد تؤثر في أدائها الانتخابي.
💬 التعليقات (0)