-عريب الرنتاوي، مستشار ومؤسس مركز القدس للدراسات السياسية.
لم يكن يخطر ببالي أبداً، أنني سأكتب بمناسبة انقضاء ألف يومٍ من العدوان والمقاومة، الكارثة والبطولة، فيما الحرب لم تضع أوزارها بعد، والمذبحة ما زالت مستمرة، فـ"الطوفان" الذي انطلق في السابع من أكتوبر، ما زالت فصوله مستمرة، والزلزال الذي استحدثه ما زال يتنقّل من ساحة إلى أخرى، وهزّاته الارتدادية، لا تني تضرب في عمق الإقليم والمجتمع الدولي، مستحدثة انقلابات في المشهد والصورة والسردية، لم تكن تخطر ببال.
أذكر ذات لقاء، مع مسؤول رفيع في حماس بعيد السابع من أكتوبر، أنني سألته مّا إذا كانت "كتائب القسام" قد أعدّت العدة لحرب قد تمتد لثلاثة أشهر على قطاع غزة، يومها جاء جوابه مليئاً بالثقة والتفاؤل، نعم، لقد أعددنا العدة لحرب قد تستمر لستة أشهر، وليس لثلاثة فقط...عُدت يومها للكتابة والتصريح، مدفوعاً بهذا التقدير، بأن "حماس ليست نفقاً ليجري "تفجيره" ولا بناية ليجري "تهبيطها"، فتنتهي معها الحركة والمقاومة، وتُفتح صفحة جديدة من كتاب "العصر الإسرائيلي".
لم يرد على لسان أحد في هذا العالم، تصريحاً أو تلميحاً، معلومة أو تسريباً، أن الطوفان وما تلاه من عدوان، سيمتدان في الزمن كل هذا الوقت، وأن يبلغ الصمود والمقاومة كل هذه الذرى، وأن يصل التوحش والإجرام، هذا الدرك الأسفل من الانحطاط والنذالة...ذلكم كله كان خارج كل تصور، لا بالنسبة لمن أطلقوا الطوفان ولا لغيرهم، مع أن نفراً من دعاة "الحكمة بأثر رجعي"، وآخرين من مدرسة "الافتنان الأزلي بالتفوق الإسرائيلي"، لا يترددون اليوم، عن الادعاء بخلاف ذلك، وينسبون لأنفسهم فضل "تفوق معرفي مزعوم"، أو يُسبغون على "واقعيتهم الذليلة"، رداء "العقلانية" القشيب.
هي غزة، أيها السادة، تبعث منذ ألف يوم ويوم، برسائلها المركبة، وتبُث على الهواء مباشرة، صورتين اثنتين، لن يستقيم الإدراك، من دون تمحيصهما وقراءتهما معاً: صورة البطولة الأسطورية والمقاومة الملحمية ضد عدو مدجج بالسلاح والكراهية، وصورة الكارثة الإنسانية التي أحلت بالقطاع وأهله...المرجفون والمهزومون، يضربون صفحاً عن الأولى، ولا يرون سوى الثانية، لا لفرط في إنسانيتهم، بل لإفراطٍ في الذل والخنوع، فيما بعض أصحاب "الجملة الثورية"، لا يرون إلا الأولى، ويغضون الطرف عن الثانية، ولا يتورعون عن اختزال المشهد بحديث سهل عن وضع صعب، جملة ثورية واحدة، تُغني عن عذابات ملايين الناس لألف يوم ويوم.
هي غزة أيها السادة، إذ تحوّلت إلى "اسم حركي" يختزل كفاحات شعب بأكمله لأزيد من مئة عام...وصارت عنواناً لكل شرفاء العالم وأحراره، تختزل أهداف كفاحهم المشروع، ضد اليمين المتطرف والعنصرية الكريهة، والشعوبية البغيضة...فما أن ترى لافتة تندد بالإبادة وتمجد غزة وأهلها، في أية بقعة من بقاع هذا العالم، حتى تدرك أن فلسطين باتت محوراً لحراك دولي-إنساني أكبر، وأن كفاح أهلها بات رمزاً لكفاح عالمي يروم التحرر والعدالة والانصاف، ويضيق ذرعاً بجرائم الفاشية والصهيونية.
💬 التعليقات (0)