• تحدّث إليّ حزيناً بعد ألف يوم من الخذلان يشكو هذا الهمّ الثقيل الذي لحِق بأهله، وكاد أن ينهار من الشفقة والمَحْزَنة، فما كان لكلامي أن يصبّره إذ يرى هذا الواقع بعين الأزمة التي تطوّقه، والفاقة التي تحاصره، ولا تكاد عينُه الأخرى المرهقة الجاهدةُ مثلُها أن تنفتح على المشهد الأعلى الذي تتغيّر فيه دوائر الإغلاق البعيدة، وتنفتح مقتربةً إليه، تحمل البلسم للجروح المفتوحة والمتقرّحة.
• وذكّرتُه بأنّ نخبتكم إذا استدام صبرُها، وتَحصَّل ثباتُها فإنّها موعودة بالخلاص، وما هو أكبر؛ فابتسم الرجلُ لي وقال: لقد أكلتْنا الفاقة يا صديقي، وجعلتْنا كالفقراء الصعاليك!
• فضحكتُ لعبارته، وقلتُ له: روى الطبراني في المعجم الكبير أنّ سيدي رسول الله كان يستفتح بصعاليك المهاجرين! الذين وصفهم بأنهم هم (الذين يُعطُون كلّ الذي عليهم، ولا يأخذون الذي لهم) كما أنتم تعطُون أقصى ما عندكم، ولا تأخذون ما هو واجبٌ لكم وحقٌّ.
• وقد حكى لنا أبو سعيد الخدري: (جلستُ في عصابةٍ من ضُعَفاءِ المهاجرين، وإنَّ بعضهم لَيَستَتِرُ ببعضٍ من العُرْي، وقارئٌ يقرأُ علينا، إِذ جاء رسولُ الله صلوات ربي وسلامه عليه، فقام علينا، فلمّا قام علينا رسولُ الله سكت القارئ، فسلَّم، ثم قال: ما كنتم تصنعون؟ قلنا: يا رسولَ الله! كان قارئٌ لنا يقرأُ علينا، وكنا نَستَمِعُ إلى كتاب الله عز وجل، فقال رسولُ الله: الحمد لله الذي جعل من أُمّتي مَن أُمِرْتُ أَن أَصبر نَفسي معهم، وجلس رسولُ الله وَسْطَنَا، لِيَعْدِلَ بنفسه فينا، ثم قال بيده: هكذا، فَتَحَلَّقوا، وبَرَزَت وجوهُهم، قال: فما رأيتُ رسولَ الله عرف منهم أَحداً غيري، ثم قال رسولُ الله: أبشروا صَعَاليك المهاجرين بالنُّورِ التامّ يوم القيامة، تدخلون الجنة قبل أَغنياء الناس بنصف يوم - وذلك خمسمائة سنة- !) رواه أبو داود والترمذي.
• وأوّلُ الناس وروداً على حوض رسول الله هم هؤلاء الفقراء الذين تنطبق صفاتهم على أحوالكم اليوم، فهم (الشَّعِثة رءوسُهم، الشَّحِبة وجوهُهم، الدَّنِسة ثيابُهم، لا يُفتح لهم السُّدَد، ولا يُنكَحون المتنعّمات؛ الذين يعطون كلّ الذي عليهم، ولا يأخذون الذي لهم)، رواه أحمد في مسنده.
• قلت لصاحبي: أتدري ما معنى يستفتح بهم؟ إنه يستنصر بهم، أو أنه يفتتح القتال بهم لأنهم لم يعودوا يبالون بهذه الدنيا من شدّة ما تركتهم!
💬 التعليقات (0)