في صباح الخميس 20 يوليو/تموز 2017، وخلال فترة ولايته الأولى، وصل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى مبنى البنتاغون في ضاحية أرلينغتون بولاية فرجينيا. عبر الممر المحاط بصور رؤساء هيئة الأركان المشتركة السابقين، ودخل غرفة تُسمى "التانك" (Tank)، وهي قاعة اجتماعات بالغة السرية والتحصين تُستخدم لمناقشة العمليات العسكرية الحساسة واتخاذ القرارات الإستراتيجية.
وقبل أن يستقر على رأس طاولة بيضاوية من البلوط الذهبي، ألقى ترمب نظرة لا مبالية نحو الجدار، حيث تستقر إلى جوار العلم الأمريكي لوحة شهيرة تحمل اسم "صناع السلام"، تُصوِّر اجتماعا تاريخيا عام 1865 بين الرئيس أبراهام لنكولن و3 من قادته العسكريين في خضم الحرب الأهلية، في مشهدٍ يُجسِّد ذروة التناغم بين القيادتين السياسية والعسكرية في الذاكرة الأمريكية.
كان بانتظاره في الغرفة نفسها وزير حربه آنذاك جيمس ماتيس ووزير خارجيته ريكس تيلرسون ومدير المجلس الاقتصادي الوطني غاري كوهن، الذين رتَّبوا هذا اللقاء لغرض بعيد عن مناقشة أي تهديدات أو استعراض خطة عسكرية بعينها، وإنما لشيء أعمق؛ إذ كان الهدف تقديم درس تأسيسي للرئيس الجديد حول النظام العالمي الذي بنته الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أو كما وصفه أحد منظمي هذا اللقاء، كان هذا "تدخلا تعليميا".
"في قلب غرفة التانك السرية بالبنتاغون، حاول مسؤولون تقديم درس تأسيسي لترمب حول النظام العالمي الذي بنته الولايات المتحدة وأركانه وفوائده"
كان الثلاثة قد لاحظوا في الأشهر الستة الأولى من الإدارة فجوات هائلة في معرفة ترمب بالتاريخ والتحالفات والخريطة العالمية، وقرروا أن أي محاولة لمواجهة قراراته الفجائية تستلزم أولاً بناء لغة مشتركة معه. وقد افتتح ماتيس الاجتماع بعبارة تنص على أن "النظام العالمي القائم على القواعد، الذي وُلد بعد الحرب، هو أعظم هدية قدَّمها الجيل الأعظم". وتلا ذلك عرض شرائح مزدحمة بالخرائط والرسوم البيانية وعلامات الدولار، مع التركيز على استثمارات أمريكا الخارجية، وهي طريقة مدروسة لجذب اهتمام رئيس تشكَّلت ثقافته في عالم العقارات، بحسب ما يرويه الصحفيان فيليب روكر وكارول ليونيغ في كتابهما "عبقري مستقر للغاية" (A Very Stable Genius)، الذي يستعرض السنوات الثلاث الأولى لترمب في البيت الأبيض.
غير أن ترمب سرعان ما أبدى استياءه من أجواء "المدرسة" تلك، وبدأ في مقاطعة مستشاريه المرة تلو المرة، ساخرا من الحرب في أفغانستان بوصفها "حرب الخاسرين"، ومُتهِما حلفاء شمال الأطلسي (الناتو) بأنهم "متأخرون عن السداد"، ومٌبدِيا نية لمطالبة كوريا الجنوبية بدفع "رسوم" مقابل القوات الأمريكية المرابطة على أراضيها. وحين بلغ التوتر ذروته، التفت ترمب إلى كبار جنرالاته صارخا: "أنتم جميعا خاسرون.. لم تعودوا تعرفون كيف تنتصرون. لن أذهب إلى الحرب معكم. أنتم مجموعة من المغفلين والأطفال".
💬 التعليقات (0)