لبنان الغني بالتنوع الحضاري والديني ما زال يصارع في خضم الانقسام والاصطفاف الإقليمي والدولي، وهو جزء أصيل في الصراع ضد المشاريع الاستعمارية والحركة الصهيونية، حدّد واقع الجغرافيا السياسية دوره في الإقليم، وهذا قدره أن يكون من دول جوار فلسطين، لكن ليس قدره أن تنجح في كل مرة الفتن التي تحاك ضده، والتي أدت إلى حروب أهلية انتجت داخلياً مهجرين لبنانيين، وعانى لبنان من حروب خارجية أدت إلى أن يستضيف لبنان لاجئين فلسطينيين، وكان أيضاً ملجأ للاجئين السوريين الذين انتهت دواعي لجوئهم، وصار بإمكانهم العودة إلى بلدهم. بمقابل منع اللاجئين الفلسطينيين من حق العودة منذ 78 عاماً، وحسب إحصائيات قُدّر عدد اللاجئين السوريين المقيمين في لبنان بنحو 1.4 مليون مطلع عام 2025. انخفض إلى أقل من مليون لاجئ، عاد أكثر من نصف مليون سوري إلى بلادهم خلال الحرب على لبنان، هذا البلد الصغير المعروف بحساسيته للتغيرات الديمغرافية.
وفي هذه الحرب العدوانية الإسرائيلية الأخيرة التي يسميها البعض «حرب الإسناد الثانية»، والتي يصح تسميتها بـ«حرب التدمير النازي للجنوب»، حسب إحصائيات أدى نهج التدمير والتهجير والقصف والنسف إلى تهجير نحو مليون و200 ألف لبناني وفلسطيني، ما يعادل خمس سكان لبنان، وذلك بذريعة تواجد عناصر ومنشآت تابعة لـحزب الله في تلك المناطق، أنذر الجيش الإسرائيلي الأهالي ودعاهم إلى الانتقال إلى مناطق «آمنة»، كانت المدن والقرى المستهدفة تزداد بشكل يومي متواصل، وتتسع دائرة التهجير، المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي «أفيخاي أدرعي» أصدر إنذارات متكررة لسكان القرى والبلدات في جنوب لبنان، يطالبهم بالإخلاء الفوري.
كما أن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس صرّح بأن إسرائيل ستفرض سيطرة أمنية وعسكرية في المنطقة الممتدة حتى نهر الليطاني، مؤكداً استمرار العمليات العسكرية وعدم السماح بعودة مئات الآلاف من النازحين اللبنانيين إلى القرى والبلدات في جنوب لبنان.
وقال بن غفير وزير الأمن في حكومة نتنياهو «يجب أن يحترق لبنان بكامله»، أما وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش فكتب عبر إكس «يجب أن نجعل النار تتكلم.. وأن نفتح أبواب الجحيم»، تُحذر الإنذارات من أن أي تواجد للمدنيين بالقرب من مواقع أو عناصر حزب الله يُعرض حياتهم للخطر، شملت المناطق المهددة مخيمات فلسطينية مع أن «حزب الله» ليس له تواجد مسلح ولا منشآت أو بنية تحتية، وما هي إلا ذريعة يستخدمها الجيش الإسرائيلي في إطار نهج قديم جديد ليس أوله ولا أخره إخلاء عشرات المدن والبلدات والمخيمات في كل من قطاع غزة وجنوب لبنان، وذلك في سياق العمليات العسكرية المستمرة ضد أهداف مدنية تدل على عجزه عن مواجهة المقاومة، فيوجّه حقده الأسود إلى قتل النساء والأطفال وكبار السن دون تمييز بين مدني وعسكري، ويخالف القوانين الإنسانية والدولية، وترتقي مجازره إلى جرائم ضد الإنسانية تتمثل في التهجير غير المشروع للمدنيين.
في قطاع غزة، أصدر الجيش الإسرائيلي إنذارات إخلاء طالت كل مناطق القطاع دون استثناء، يدعو السكان للتوجه إلى المناطق التي يعلنها «آمنة» ولا وجود لمناطق آمنة، حتى خيام الإيواء القماشية اخترقها رصاص الاحتلال.
وفي لبنان أصدر الجيش الإسرائيلي إنذارات متكررة شملت العديد من المدن الرئيسية والقرى، تركزت على مناطق جنوب نهر الليطاني ومدينة النبطية ومحيطها، وقضاء بنت جبيل ومرجعيون ومدينة صور وبلداتها وقراها ومخيماتها، ثلاث مخيمات للاجئين الفلسطينيين في جنوب لبنان مخيم الرشيدية، مخيم البص، ومخيم برج الشمالي، أنذر سكانها بالإخلاء الفوري والتوجه إلى مناطق شمال نهر الزهراني. الهدف المعلن هو فرض منطقة عازلة لحماية مستوطنات شمال فلسطين المحتلة، من جهة أخرى يشير هذا المخطط إلى نوايا إسرائيل بتفريغ الجنوب من سكانه تمهيداً لاحتلاله والبقاء فيه، وقد صدرت تصريحات ونداءات تدعو للبدء باستيطان الجنوب، ضمن أراض لبنانية تقدر مساحتها بـ600 كيلومتر مربع.
💬 التعليقات (0)