رئيس ومؤسس المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي (PCPO)
لا يكاد يوجد فلسطيني عبر جسر الملك حسين إلا وعاد وهو يحمل قصة انتظار، أو تأخير، أو معاناة، وربما تجربة استغلال أيضاً. فمنذ سنوات، لم يعد الجسر مجرد معبر حدودي يربط الفلسطينيين بالعالم الخارجي، بل تحول إلى عنوان لمعاناة يومية يعيشها آلاف المسافرين. ساعات طويلة من الانتظار، وازدحام متكرر، وإجراءات معقدة، وفوضى تتكرر مع كل موسم سفر، حتى أصبحت رحلة العبور نفسها عبئاً نفسياً واقتصادياً وإنسانياً. ولعل ما يزيد من مرارة هذه المعاناة أن معظمها لم يعد يُنظر إليه على أنه استثناء، بل أصبح بالنسبة لكثير من الفلسطينيين جزءاً من تجربة السفر المعتادة.
وفي خضم هذه المعاناة، قررت وزارة الداخلية الأردنية منع 468 شخصاً من السفر عبر جسر الملك حسين اعتباراً من 30 حزيران/يونيو 2026، بعد أن تبين قيامهم بالسفر المتكرر إلى الأردن لأغراض تجارية، وبشكل خاص للاستفادة من فارق أسعار السجائر والمعسل في الأسواق الحرة. وقد أثار هذا القرار نقاشاً واسعاً في الشارع الفلسطيني؛ فبينما انصبّ الاهتمام على الأشخاص الذين يمارسون هذا النشاط، غاب سؤال أكثر أهمية: هل المشكلة تكمن في هؤلاء الأفراد، أم في السياسات الاقتصادية والإدارية التي دفعتهم إلى هذا الخيار أصلاً؟
لكن إذا أردنا أن نفهم هذه الظاهرة بصورة صحيحة، فلا ينبغي أن يكون السؤال: كيف نمنع هؤلاء من السفر؟ وإنما: لماذا أصبح هذا النشاط أصلاً مصدراً للدخل لمئات الأسر الفلسطينية؟ وهل يمكن فهمه بمعزل عن الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها الفلسطينيون، في ظل القيود الإسرائيلية المشددة على الاقتصاد الفلسطيني، وحرمان عشرات الآلاف من العمال من الوصول إلى أماكن عملهم داخل الخط الأخضر، وما ترتب على ذلك من ارتفاع معدلات البطالة، وتراجع مستويات الدخل، وتقلص فرص العمل؟
ففي علم الاقتصاد، لا تظهر الأسواق الموازية أو التجارة غير الرسمية من فراغ، وإنما تنشأ عندما تتوافر حوافز اقتصادية تجعل العائد المتوقع أكبر من تكلفة المخاطرة. ولذلك، فإن الاقتصادي لا يبدأ بتحليل سلوك الأفراد، بل يبدأ بدراسة البيئة الاقتصادية التي أنتجت هذا السلوك.
وهذا ما ينطبق تماماً على الحالة الفلسطينية.
💬 التعليقات (0)