أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة لوفان ومتخصص في تاريخ الفكر الاسلامي.
لم تكن النهضة العربية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين مجرد حركة لإحياء اللغة أو نشر التراث، بل مشروعا فكريا واسعا أعاد صياغة الوعي العربي في مواجهة الحداثة والاستعمار والتحولات الاجتماعية الكبرى. وتمحور هذا المشروع حول سؤال أساسي: كيف يمكن استعادة التراث العربي وإعادة تقديمه بأدوات علمية حديثة؟
وانخرط رواد النهضة في مسارين متوازيين: جمع المخطوطات وتحقيقها ونشرها، والانفتاح على المناهج الأوروبية الحديثة، بما في ذلك الإفادة من الجهود الاستشراقية في فهرسة التراث ودراسته. وقد أسفر هذا التفاعل عن نموذج معرفي جديد تجاوز ثنائية الصراع أو التبعية.
وخلافا للتصور الشائع الذي يختزل العلاقة بين الاستشراق والعالم العربي في إطار الهيمنة، تكشف التجربة التاريخية عن شبكة أكثر تعقيدا من العلاقات العلمية، اتسمت بالحوار والتبادل والنقد المتبادل بين عدد من مثقفي النهضة والمستشرقين، في سياق سعى إلى إنتاج معرفة مشتركة حول التراث العربي.
وفي هذا السياق يبرز أحمد زكي باشا (1868-1934)، المعروف بلقب "شيخ العروبة"، بوصفه أحد أبرز رموز هذا التيار النهضوي الذي جمع بين الأصالة والانفتاح، وبين الاعتزاز بالهوية الثقافية العربية والانخراط الفعال في شبكات المعرفة الدولية.
فقد كان زكي باشا موظفا رفيع المستوى في الدولة المصرية، حيث شغل منصب سكرتير مجلس النظار (الوزراء)، إلى جانب كونه مثقفا موسوعيا وباحثا في التراث ومشاركا نشطا في المؤتمرات العلمية الدولية، وهو ما أتاح له موقعا فريدا بين الدوائر الرسمية والسياسية من جهة، والدوائر العلمية الأوروبية من جهة أخرى.
💬 التعليقات (0)