ابتكر الغرب مصطلح "الشرق الأوسط" وعممه تسمية للمنطقة كخطوة ممنهجة لانتزاع المنطقة من سياقها العربي والإسلامي، ويهدف هذا التدويل الجغرافي إلى شرعنة دمج إسرائيل وتطبيع وجودها ككيان طبيعي، باعتبارها الدولة الوحيدة غير الإسلامية في هذا المحيط.
اليوم، يمر العالم بظرف تاريخي استثنائي يشهد بداية التراجع التدريجي للهيمنة الأمريكية المطلقة، والتحول نحو نظام دولي متعدد الأقطاب.
ويظهر رصد السلوك الدولي استباق القوى العالمية لهذه المرحلة؛ حيث تسعى أوروبا لصياغة سياسات تمنحها استقلالية نسبية عن القرار الأمريكي، في حين تتنافس قوى إقليمية وازنة لملء الفراغ الاستراتيجي، يتجلى ذلك في تصاعد الدور الجيوسياسي لكل من تركيا، ومصر، وباكستان، وإيران التي وجهت ضربات قاصمة للهيمنة الأمريكي بالمنطقة، ويقابل ذلك عنجهية إسرائيل التي تحاول فرض نفسها كمهيمن وحيد في المنطقة.
وتدرك الولايات المتحدة هذه التحولات البنيوية، ورغم احتفاظها بأدوات النفوذ العالمي حتى اللحظة، إلا أنها تعي تماماً أن تفردها بالقمة لن يدوم طويلاً، وبناءً على ذلك تلجأ واشنطن إلى هندسة انتقال تدريجي ونقل جزء من نفوذها الدولي إلى فواعل محليين وإقليميين بطريقة ناعمة، تفادياً لسيناريو الانهيار المفاجئ أو السقوط المدوي.
يتضح هذا السلوك الأمريكي بوضوح في طريقة تعاطي واشنطن مع طهران؛ فرغم امتلاك أمريكا للقدرات العسكرية التدميرية المتفوقة، إلا أنها تتجنب الذهاب إلى مواجهات مفتوحة أو حروب طويلة، تفادياً لاستنزاف مقدراتها الخارجية، واعترافاً ضمنياً بحدود القوة.
وفي السياق ذاته، يحمل السلوك الدبلوماسي الأمريكي تجاه الصين وزيارة ترامب لها مرتين أثناء الحرب على إيران دلالات عميقة على الاعتراف بالتوازنات الناشئة؛ حيث تبدو واشنطن حريصة على إشراك الصين —الخصم الاستراتيجي الأكبر والمهدد الأول لأحاديتها— في إدارة الأزمات الدولية، وهو إقرار علني بتبدل موازين القوى.
💬 التعليقات (0)