لم تعد المقابر في الضفة الغربية ملاذاً للسكينة، بل تحولت إلى ساحات مواجهة مفتوحة يفرض فيها الاحتلال الإسرائيلي سطوته حتى على الموتى. وثقت مصادر حقوقية وشهادات ميدانية تحويل الجنائز الفلسطينية إلى إجراءات أمنية مشددة تتطلب تصاريح مسبقة وتخضع لرقابة الطائرات المسيرة والجنود المدججين بالسلاح، مما يفرغ لحظات الوداع من قدسيتها الإنسانية والدينية.
في مدينة الخليل، وتحديداً في أكتوبر 2025، واجهت عائلة المواطن مراد النتشة واقعاً قسياً حين رفضت سلطات الاحتلال السماح بدفن والده في مدفن العائلة بمقبرة الرأس. اضطرت العائلة لتنفيذ عملية الدفن سراً وخلال دقائق معدودة خشية الصدام مع الجنود الذين حاصروا المكان، في مشهد وصفه النتشة بأنه 'أسرع جنازة' رآها في حياته، حيث غاب عنها الدعاء والوداع اللائق.
هذه السياسة ليست وليدة الصدفة، بل هي منظومة تشكلت تدريجياً على مدار عقدين، وتوسعت مع بناء جدار الفصل العنصري الذي عزل بلدات كاملة عن مقابرها التاريخية. في بلدة السواحرة، أصبح الوصول إلى مقبرة جبل المكبر مشروطاً بالمرور عبر حاجز 'الشياح' العسكري، الذي بات يلقب بـ 'حاجز المثوى الأخير' نظراً للإجراءات المهينة التي يتعرض لها المشيعون.
وتشير معطيات الهيئة العامة للشؤون المدنية إلى أن التنسيق الأمني أصبح شرطاً لازماً لدفن الموتى في مناطق التماس والمناطق المغلقة، بمعدل يصل إلى 100 حالة شهرياً في الخليل وحدها. تشمل هذه الشروط تحديد هوية المتوفى، وعدد المشيعين الذي لا يتجاوز أحياناً عشرة أشخاص، بالإضافة إلى فرض وقت زمني صارم لعملية الدفن لا يتعدى الساعة الواحدة.
مع اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، انتقلت هذه القيود لتشمل قرى وبلدات جديدة مثل 'أم صفا' شمال غرب رام الله، حيث فصلت البوابات الحديدية والسواتر الترابية القرية عن مقبرتها. يضطر الأهالي هناك لحمل الجثامين على الأكتاف والسير بها عبر طرق وعرة وخطيرة للوصول إلى مثواهم الأخير، في ظل رفض متكرر لمنح تصاريح الدفن في الأوقات الطبيعية.
وفي شمال الضفة الغربية، وتحديداً في جنين وطولكرم، وصلت هذه السياسات إلى ذروتها مطلع عام 2025، حيث مُنع الدفن نهائياً في مقابر داخل مخيم جنين. انتشرت الآليات العسكرية في محيط المقابر البديلة، وسجلت مصادر محلية عشرات الحالات التي خضعت لتنسيق أمني مشدد، مما دفع العائلات للبحث عن بدائل بعيدة عن مراكز سكنهم.
💬 التعليقات (0)