أصدر مركز الجزيرة للدراسات كتابًا جديدًا بعنوان "إسرائيل من ذروة الصعود إلى تصدُّع النموذج: أزمة الشرعية والمكانة الدولية بعد حرب الإبادة في غزة"، للباحث الدكتور نواف التميمي، يقدِّم فيه قراءة تحليلية معمَّقة للتحولات التي طرأت على صورة إسرائيل ومكانتها الدولية عقب حرب الإبادة على قطاع غزة خلال الأعوام 2023–2025، بوصفها لحظة مفصلية أطلقت مسارًا متسارعًا لتآكل شرعية إسرائيل الدولية وتصدُّع مشروع "Brand Israel" الذي سعت من خلاله منذ عام 2005 إلى تقديم نفسها نموذجًا عالميًّا للدولة الحديثة والديمقراطية.
ينطلق الباحث د. نواف التميمي من فرضية رئيسة مفادها أن حرب غزة لم تكن مجرد مواجهة عسكرية جديدة في تاريخ الصراع العربي-الإسرائيلي، بل مثلت لحظة فاصلة كشفت عن أزمة عميقة في النموذج الإسرائيلي ذاته. ويرى أن الاهتمام الذي انصب طوال عقود على التفوق العسكري الإسرائيلي أخفى جانبًا أكثر أهمية، هو الكيفية التي صنعت بها إسرائيل شرعيتها الدولية وصورتها الذهنية ومكانتها في النظام الدولي، وأن ما أصاب هذه المرتكزات خلال الحرب يفوق في أهميته أي خسائر ميدانية أو مكاسب عسكرية مؤقتة.
ويعلن المؤلف منذ البداية أنه لا يقيس نتائج الحرب بمنطق المنتصر والمهزوم في الميدان، وإنما بمنطق أكثر اتساعًا يقوم على مفهوم "السمعة الوطنية" أو "العلامة الوطنية"، باعتبارها الرصيد الذي يمنح الدول قدرتها على تحويل القوة إلى نفوذ دائم، ويجعلها قادرة على الحفاظ على مكانتها الدولية حتى في أوقات الأزمات. فالدولة، في نظره، لا تعيش بالقوة العسكرية وحدها، وإنما تحتاج إلى شرعية أخلاقية وقبول دولي وصورة ذهنية مستقرة، وهي عناصر قد تتآكل حتى لو بقي التفوق العسكري قائمًا.
ويستعرض الباحث عددًا من المواقف الصادرة عن شخصيات إسرائيلية بارزة، بينها مسؤولون سابقون في الموساد والشاباك ومفكرون ودبلوماسيون، ليؤكد أن التحذير من خسارة الشرعية الدولية لم يعد مقتصرًا على خصوم إسرائيل، بل أصبح جزءًا من النقاش الداخلي الإسرائيلي نفسه. فهؤلاء يحذرون من أن استمرار الحرب قد يحول إسرائيل من دولة تدافع عن نفسها إلى دولة تواجه عزلة أخلاقية وسياسية متزايدة، وأن خسارة الرأي العام العالمي قد تصبح أخطر من أي تهديد عسكري مباشر.
ويبين المؤلف أن كتابه لا ينطلق من موقف سياسي مسبق، ولا يهدف إلى إثبات انتصار طرف أو هزيمة آخر، بل يسعى إلى تحليل التحول البنيوي الذي طرأ على صورة إسرائيل في النظام الدولي، وكيف انتقلت من نموذج جرى تقديمه طويلًا باعتباره نموذجًا للدولة الديمقراطية الحديثة إلى دولة أصبحت تواجه اتهامات متزايدة بارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي والإنساني، الأمر الذي أعاد طرح أسئلة تتعلق بشرعيتها ومكانتها العالمية.
ويؤسس الباحث لهذا التحليل عبر تبني إطار نظري يعتمد على مفهوم "العلامة الوطنية" (Nation Brand) الذي طوره الباحث البريطاني سايمون أنهولت، ويرى أن مكانة الدول لا تقاس فقط بقدراتها الاقتصادية أو العسكرية، وإنما أيضًا بالصورة الذهنية التي ترسمها لنفسها لدى الشعوب والمؤسسات الدولية، وبقدرتها على إنتاج الثقة والقبول والشرعية. ومن هذا المنطلق تصبح الحرب حدثًا لا يقتصر أثره على الميدان، بل يمتد إلى إعادة تشكيل الإدراك العالمي للدولة وموقعها في النظام الدولي.
💬 التعليقات (0)