منذ تأسيسها عام 1949 بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة، لم تكن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ( الأونروا ) مجرد مؤسسة تقدم خدمات التعليم والصحة والإغاثة، بل كانت شاهداً قانونياً وسياسياً على وجود قضية لاجئين لم تجد حلاً عادلاً حتى اليوم. ولذلك فإن أي حديث عن إنهاء دور الأونروا أو استبدالها قبل معالجة الأسباب التي أوجدتها يثير أسئلة جوهرية تتجاوز البعد الإنساني إلى أبعاد قانونية وسياسية تمس جوهر القضية الفلسطينية.
الأونروا لم تُنشأ لأن الفلسطينيين بحاجة إلى مساعدات غذائية أو خدمات تعليمية فحسب، بل نشأت نتيجة وجود مشكلة سياسية وقانونية اعترفت بها الأمم المتحدة، وهي قضية اللاجئين الفلسطينيين الذين هُجّروا من ديارهم وفقدوا حقهم في العودة والتعويض. ولهذا فإن استمرار الوكالة لعقود طويلة لم يكن دليل نجاح، بل دليل على استمرار المشكلة التي أنشئت لمعالجتها مؤقتاً إلى حين الوصول إلى حل عادل ودائم.
من الناحية القانونية، لا يرتبط وجود الأونروا بمجرد تقديم الخدمات، وإنما بوجود فئة قانونية معترف بها دولياً هي "اللاجئون الفلسطينيون". ولذلك يرى العديد من الخبراء أن إنهاء دور الوكالة قبل إيجاد تسوية عادلة وشاملة لقضية اللاجئين يخلق إشكالية قانونية وسياسية كبيرة، لأنه قد يُفهم على أنه محاولة لفصل البعد الإنساني عن الحقوق السياسية والقانونية المرتبطة باللاجئين.
إن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في توقف الخدمات التي يعتمد عليها ملايين الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية والأردن ولبنان وسوريا، بل في الرسالة السياسية التي قد يحملها إنهاء الوكالة. فالأونروا تمثل اعترافاً أممياً مستمراً بأن قضية اللاجئين ما زالت قائمة ولم تُحل بعد. وعندما يُطرح بديل يقوم على إنهاء الوكالة دون معالجة الحقوق الأساسية للاجئين، تنشأ مخاوف من أن يتحول الأمر تدريجيًا إلى محاولة لتهميش الملف أو إخراجه من دائرة الاهتمام الدولي.
كما أن إنهاء الأونروا في ظل غياب حل سياسي شامل قد يؤدي إلى إضعاف أحد أهم الشواهد المؤسسية الدولية المرتبطة ب النكبة وتبعاتها. فالوكالة، بحكم سجلاتها ووجودها وعملها المستمر، تشكل مرجعاً أممياً يوثق واقع اللاجئين واحتياجاتهم ووجودهم القانوني. ومن هنا تأتي حساسية أي خطوة قد تُفسر بأنها تقويض لهذا الدور أو استبداله بآليات لا تحمل البعد السياسي والقانوني نفسه.
وعلى المستوى الدولي، فإن القضية لا تتعلق بالفلسطينيين وحدهم. فالأمم المتحدة أنشأت الأونروا بقرار أممي، واستمرارها أو تعديل ولايتها أو إنهاؤها يخضع بدوره لإجراءات وقرارات أممية. لذلك فإن تجاوز الإطار القانوني الدولي أو محاولة فرض وقائع سياسية تتناقض مع المرجعيات الأممية قد يطرح تساؤلات حول احترام النظام الدولي نفسه للقرارات التي أصدرها. فالمسألة هنا لا تمس حقوق شعب فقط، بل تمس أيضًا مصداقية المؤسسات الدولية وقدرتها على الالتزام بقراراتها إلى حين معالجة أسباب نشأتها.
💬 التعليقات (0)