دكتوراة في الاقتصاد والتمويل الإسلامي
“ليس نقص المال هو أخطر ما يواجه الاقتصاد الفلسطيني اليوم … بل أن يتحول المال نفسه إلى أزمة”، هذه ليست عبارة إنشائية، بل وصفٌ دقيق لواحدة من أخطر التحديات التي تواجه الاقتصاد الفلسطيني في هذه المرحلة. ففي الوقت الذي تبذل فيه الاقتصادات جهودًا لزيادة السيولة وتحفيز الاستثمار، يعيش الاقتصاد الفلسطيني مفارقة نادرة؛ إذ تتكدس الأموال داخل خزائن المصارف حتى تجاوزت قيمتها 17 مليار شيكل، بينما لا تسمح القيود المفروضة على شحن فائض الشيكل إلا بإخراج نحو 4.5 مليار شيكل كل ثلاثة أشهر، الأمر الذي حول وفرة النقد من مصدر قوة إلى مصدر قلق اقتصادي.
قد يظن البعض أن هذه أزمة مصرفية تخص البنوك وحدها، لكن الحقيقة أنها أزمة تمس كل مواطن فلسطيني، فهي تؤثر في التاجر الذي يعتمد على الإيداعات اليومية، وفي المستثمر الذي يحتاج إلى دورة نقدية مستقرة، وفي الشركات التي تدير التزاماتها المالية، وفي الاقتصاد الوطني بأسره.
ليست أزمة بنوك… بل أزمة نظام نقدي
من المهم منذ البداية تصحيح مفهوم شائع؛ فالأزمة الحالية لا تعكس ضعفًا في الجهاز المصرفي الفلسطيني، ولا قصورًا في أداء سلطة النقد الفلسطينية أو جمعية البنوك في فلسطين، بل هي نتيجة مباشرة لقيود مفروضة على حركة فائض الشيكل، في ظل اقتصاد يعتمد على عملة لا يصدرها ولا يتحكم في تدفقها عبر الحدود.
لقد أثبت القطاع المصرفي الفلسطيني، على مدار عقود، متانةً عالية وكفاءةً تشغيليةً متميزة، حتى في أصعب الظروف السياسية والاقتصادية، كما واصلت سلطة النقد الفلسطينية أداء دورها الرقابي والتنظيمي للحفاظ على الاستقرار المالي، بينما اضطلعت جمعية البنوك في فلسطين بدورٍ محوري في تمثيل المصارف العاملة في فلسطين، وتوحيد مواقفها، والتواصل مع مختلف الجهات المحلية والدولية لإيجاد حلول لهذه الأزمة.
💬 التعليقات (0)