اختار الكاردينال الأمريكي روبرت بريفوست لنفسه لقب البابا ليو الرابع عشر، تأسيا بعدد من سابقيه حملوا لقب "ليو"، كان آخرهم ليو الثالث عشر الذي قاد الكنيسة الكاثوليكية في مرحلة خطرة نهاية القرن التاسع عشر، بين عامي 1876 و1903. مُنح ليو الثالث عشر لقبا إضافيا: بابا العُمال، وبابا الشعب. ذلك أنه دخل إلى البهو البابوي في لحظة تحول تاريخية في مسيرة العالم، في ذروة الثورة الصناعية، وأخذ جانب العمال والمؤمنين.
لم تكن الثورة الصناعية مجرد تطور تقني في وسائل الإنتاج، بل واقعا جديدا منفصلا عن كل ماضيه، فيه تغيرت الكيفية التي يعيش بها الناس، والطريقة التي يعملون بها، وكيف يفكرون.
صارت الآلات أكثر هيمنة على المجتمع من أجهزة الدولة، ولاحظت الكنيسة أن المصانع قد فرّغت الأرياف من مجتمع المسيحية التقليدي، وحولته إلى قطيع من عمال بلا ملامح ولا حقوق، ثم زعزعت اليقين المسيحي.
في تلك الظروف، أصدر البابا الثالث عشر، في مايو/أيار 1891، رسالته الشهيرة: "الشؤون الحديثة- Rerum Novarum"، واضعا الكنيسة في مكان وسط بين الرأسمالية والشيوعية، وإلى حد ما متعالية على الدولة. وفي مايو/أيار الماضي، 2026، ومؤخرا أصدر البابا ليو الرابع عشر رسالته الشهيرة بعنوان: "الإنسانية الرائعة- Magnifica humanitas"، في ذكرى مرور 135 عاما على الرسالة التي كتبها سلفه البابا ليو الثالث عشر.
كان البابا ليو الثالث عشر يلاحظ ما يجري وتهيمن عليه المخاوف والوساس، الأمر ذاته سيحدث مع البابا ليو الرابع عشر، وهو يقف في عالم يصبح شيئا فشيئا في قبضة الذكاء الاصطناعي
تحيط أجواء متشابهة بقيادة الرجلين للكنيستين، فالتقانة التي اقتحمت على الناس حياتهم في القرن التاسع عشر، وغيرت كل شيء حتى علاقتهم بالكنيسة، تعاود الثورة مجددا في صورة الذكاء الاصطناعي، وتنذر بتغيير كل شيء، بل باتت تعد بتجاوز العقبات المطلقة كالموت والشيخوخة. بطريقة ما قالت الرسالتان الشيء ذاته حول حقوق العمال: العدالة، الحقيقة، تغول الآلة، وضرورة الاحتماء بالإيمان.
💬 التعليقات (0)