رغم الصورة المرعبة التي غالبا ما يُقدم بها الديناصور "تيرانوصور ركس" في الأفلام والثقافة الشعبية باعتبارة أحد أكثر المفترسات وحشية وشراسة في التاريخ، فإن هناك سمة تشريحية ظلت دائما تقلل من هيبته قليلا، فذلك المفترس القمّي العملاق، الذي امتلك فكا قادرا على سحق العظام وأسنانا بحجم الخناجر، كان يحمل ذراعين صغيرتين على نحو غير متناسب مع حجمه وقوته الهجومية الاستثنائية.
بلغ طول ذراعي هذا الديناصور، المعروف اختصارا بـ"تي ريكس" (T. rex)، الذي عاش خلال العصر الطباشيري، قرابة 90 سنتيمترا فقط، أي أقل من ثلث طول ساقيه، وبدت أطرافه الأمامية قصيرة بصورة واضحة مقارنة بجسم قد يتجاوز طوله لدى الأفراد البالغة أكثر من 12 مترا، ولم يكن قادرا عمليا على استخدامها في الهجوم أو الاشتباك المباشر.
وبصياغة ساخرة، لو تمكن شخص ما – نظريا – من إبقاء "تي ريكس" بعيدا عنه بذراع ممدودة يضغط بها على جبهته، فلن يستطيع الأخير الرد باستخدام قبضتيه، لأن ذراعيه الصغيرتين ستبقيان تتحركان بلا فاعلية على مسافة من الجسم. صحيح أنه في النهاية سيستخدم فكيه لعض الذراع واقتلاعها ثم يلتهم خصمه بالكامل، لكن جوهر الفكرة يظل صحيحا من الناحية العلمية.
ولسنوات طويلة، شكلت هذه الأذرع الشهيرة والضعيفة على نحو لافت أحد أكثر الألغاز إثارة في علم الحفريات، حيث تعددت الفرضيات التي حاولت تفسير سبب تقلصها عبر التاريخ، وأُثيرت موجة من التساؤلات والنقاشات العلمية حول وظيفتها الحقيقية، منها استخدامها للإمساك بالفريسة أو تثبيتها، أو لاستعراض القوة وجذب الشركاء خلال التزاوج.
كما أشارت دراسات أحدث إلى احتمال أن تقلص الأذرع جاء لتقليل خطر تعرضها للعض أثناء التغذية الجماعية المحمومة على الجيف أو الفرائس. في المقابل، افترضت نظرية قديمة أن هذه الأطراف أصبحت "أعضاء أثرية" فقدت وظيفتها العملية تدريجيا، ومن ثم تقلص حجمها نتيجة غياب الحاجة إليها.
ومع ذلك، لم تنجح أي من هذه التفسيرات حتى الآن في تحقيق إجماع علمي كامل، وظل السؤال حول السبب الحقيقي وراء الأذرع الصغيرة لآلة القتل الضخمة هذه مفتوحا أمام البحث والنقاش.
💬 التعليقات (0)