تخيل مشهدا تُغلق فيه المدارس أبوابها، وتتوقف حركة القطارات، وتُلغى الفعاليات الرسمية، بل وتُجبر المفاعلات النووية على التوقف في بعض البلدان، بينما يلوذ الناس بمنازلهم هربا من النزول إلى أعمالهم. قد تظن للوهلة الأولى أن هذه الأخبار القاتمة تأتي من بلاد مزقتها الحروب، لكنها في الحقيقة تفاصيل واقع عاشته أوروبا؛ القارة المتقدمة العجوز التي استسلمت لموجات حارة تاريخية ضربت أرجاءها بعنف.
حطمت درجات الحرارة الأرقام القياسية في مختلف المدن الأوروبية، وكانت فرنسا في عين العاصفة؛ إذ تجاوزت الحرارة في بعض مدنها حاجز 44 درجة مئوية، في سابقة لم يشهدها الفرنسيون من قبل. وبحسب وكالة الأرصاد الجوية الرسمية "ميتيو-فرانس"، فإن يوم الأربعاء، 24 يونيو/حزيران، دُون في سجلات التاريخ كأشد الأيام حرا في البلاد منذ بدء رصد درجات الحرارة عام 1947.
"يوم 24 يونيو الحالي كان أشد الأيام حرا في تاريخ فرنسا منذ بدء رصد درجات الحرارة عام 1947"
ولم تكن بقية دول القارة بمنأى عن هذا اللهيب؛ ففي إيطاليا، رفعت وزارة الصحة "الإنذار الأحمر" في 18 مدينة، شملت حواضر كبرى مثل روما وميلانو وتورينو. وفي بريطانيا، وتحديدا في ذات اليوم (24 يونيو/حزيران)، سُجل رقم قياسي جديد بعدما تخطت الحرارة حاجز 35.8 درجة مئوية في بعض مناطق جنوب إنغلترا، لتصبح أعلى درجة حرارة تشهدها البلاد في أشهر يونيو/حزيران على الإطلاق.
امتدت الأزمة لتشمل إسبانيا، حيث سجلت مدينة بلباو أكثر من 39 درجة، وهو الارتفاع الأعلى منذ عام 1950. كما أعلن المعهد الوطني للأرصاد الجوية في بولندا عن ذروة قياسية جديدة بلغت 40.5 درجة في مدينة سلوبيتسه الغربية. وفي ألمانيا، كُسر الرقم القياسي بوصول الحرارة إلى 41.7 درجة في بلدة كوشين القريبة من الحدود البولندية، بينما لحقت بها جمهورية التشيك بتسجيل 41.9 في منطقة دوكساني شمال براغ.
ولم تكن هذه الموجة مجرد طقس عابر، بل كانت "قاتلة" بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ حيث أفادت منظمة الصحة العالمية برصد أكثر من 1300 حالة وفاة إضافية مرتبطة بالحر الشديد منذ 21 يونيو/حزيران. وفي فرنسا وحدها، قفزت الوفيات بنحو ألف حالة فوق المعدل المعتاد منذ 24 يونيو/حزيران، وتركزت الفاجعة بين كبار السن الذين تتجاوز أعمارهم 65 عاما، لاسيما في منطقة "إيل دو فرانس" التي تشمل العاصمة باريس وضواحيها.
💬 التعليقات (0)