لطالما شكلت الطبقة الوسطى، في مختلف المجتمعات الحديثة، العمود الفقري للاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي. فهي الطبقة التي تنتج النخب المهنية والثقافية، وتحمل قيم التعليم والعمل والكفاءة، وتدافع عن القانون والمؤسسات، كما تؤدي دوراً محورياً في حماية المجتمع من التطرف والانهيار. لكن الحديث عن الطبقة الوسطى في فلسطين اليوم يطرح سؤالاً جوهرياً: هل ما زالت هذه الطبقة تؤدي دورها التاريخي الطبيعي، أم أنها تحولت إلى طبقة طارئة ومصطنعة، اختُزل وجودها بمستوى الدخل والاستهلاك فقط؟
في التجارب الطبيعية، لا تُخلق الطبقة الوسطى بقرار سياسي أو إداري، ولا تُقاس فقط بحجم الراتب أو القدرة على الاستهلاك، بل تُبنى تاريخياً عبر اقتصاد منتج، وتعليم نوعي، واستقرار اجتماعي، وفرص متكافئة، واستقلال نسبي عن السلطة. ولهذا ارتبطت الطبقة الوسطى التقليدية دائماً بقيم المسؤولية العامة، والمشاركة السياسية الواعية، والدفاع عن الإصلاح، والقدرة على إنتاج نخبة مجتمعية تؤمن بفكرة الدولة والقانون.
غير أن الحالة الفلسطينية تبدو مختلفة إلى حد بعيد. فبفعل طبيعة الاقتصاد المشوه، والاعتماد الواسع على التمويل الخارجي، وتضخم القطاع البيروقراطي، وضعف القطاعات الإنتاجية، نشأت فئة واسعة تُصنف اجتماعياً ضمن الطبقة الوسطى، لكنها تفتقر إلى الخصائص التاريخية والأخلاقية والسياسية التي ميزت الطبقة الوسطى التقليدية. إنها طبقة طارئة أو مصطنعة؛ تبدو طبقة وسطى من حيث مستوى الدخل أو نمط الاستهلاك، لكنها في جوهرها غير قادرة على أداء الوظيفة الاجتماعية التي تجعل من الطبقة الوسطى ركيزة لبناء المجتمع وحمايته.
الفرق الجوهري بين الطبقة الوسطى التقليدية والطبقة الوسطى الطارئة لا يكمن فقط في مصدر الدخل، بل في طبيعة العلاقة مع المجتمع والسياسة والدولة. فالطبقة الوسطى التقليدية تنظر إلى نفسها باعتبارها شريكاً في مشروع وطني واجتماعي طويل الأمد، ولذلك تميل إلى الدفاع عن المؤسسات العامة، والمطالبة بالإصلاح، والانخراط في المشاركة السياسية الفاعلة والبناءة. وهي بطبيعتها طبقة نقدية، لا تخشى مساءلة السلطة، وتسعى إلى تحقيق الاستقرار عبر العدالة وسيادة القانون.
أما الطبقة الوسطى الطارئة، فإن مشاركتها السياسية غالباً ما تنحصر في إطار الوجاهة الاجتماعية، أو السعي إلى النفوذ، أو ممارسة “التسحيج” السياسي والإعلامي بهدف حماية الامتيازات المكتسبة. فالعلاقة هنا ليست علاقة مواطنة وحقوق، بل علاقة زبائنية تقوم على الولاء مقابل المكاسب. ولذلك تتحول السياسة، بالنسبة لهذه الفئة، من وسيلة لخدمة المجتمع إلى أداة للحفاظ على الموقع الشخصي والاجتماعي.
وما يزيد خطورة هذه الظاهرة أن الطبقة الوسطى الطارئة تدرك هشاشة موقعها. فهي لم تصل إلى مكانتها عبر تراكم اقتصادي منتج أو استقرار مهني طويل الأمد، بل عبر ظروف سياسية أو بيروقراطية أو شبكات مصالح مؤقتة. ولهذا تعيش هاجس السقوط الدائم وفقدان الامتيازات. وعلى عكس الطبقة الوسطى التقليدية التي تستطيع إعادة إنتاج نفسها عبر التعليم والعمل والإنتاج، فإن الفئة الطارئة تفتقر إلى هذه القدرة، لأنها لا تستند إلى قاعدة اقتصادية أو معرفية متينة. ومن هنا يصبح الفساد، بالنسبة لبعض هذه الفئات، وسيلة دفاع عن الذات أكثر منه مجرد انحراف أخلاقي. فالمحسوبية، واستغلال النفوذ، وتبادل المصالح، والفساد شبه العلني، تتحول إلى أدوات لحماية الموقع الاجتماعي المكتسب حديثاً. وكلما ازداد الشعور بعدم الاستقرار، ازدادت الحاجة إلى توظيف السلطة والعلاقات الشخصية للحفاظ على الامتيازات.
💬 التعليقات (0)