تتجه أوروبا نحو تحول إستراتيجي غير مسبوق، مدفوعة بتراجع الثقة في الولايات المتحدة وتصاعد التهديد الروسي، في مسار يرى مراقبون أنه قد ينهي عقودا من الاعتماد الأمني على واشنطن ويؤسس لنظام أوروبي أكثر استقلالا في الدفاع والسياسة الخارجية.
ويرى تحليل نشرته مجلة فورين أفيرز أن عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض عام 2025 شكلت نقطة تحول في العلاقات عبر الأطلسي، إذ تعرضت أوروبا لـ"الإهانة والاستخفاف والتهميش"، وأصبحت "هدف ترمب المفضل". لكن المجلة تؤكد أن واشنطن أخطأت في تقدير حجم التحولات الجارية داخل القارة.
وتقول المجلة إن الأوروبيين أدركوا للمرة الأولى منذ عقود أن نموذجهم القائم على "الثراء بلا قوة عسكرية، والنفوذ بلا تضحيات، والحماية بلا التزامات" لم يعد قابلا للاستمرار، وهو ما دفعهم إلى صياغة إستراتيجية كبرى جديدة تقوم على تحمل مسؤولية أمنهم بأنفسهم.
وتستند فورين أفيرز إلى استطلاعات للرأي تظهر أن 77% من الأوروبيين يعتبرون الحرب الروسية على أوكرانيا تهديدا مباشرا لبقاء أوروبا، بينما لم يعد سوى 11% ينظرون إلى واشنطن بوصفها حليفا موثوقا، في تراجع كبير مقارنة بالسنوات السابقة. كما تعتقد أغلبية الأوروبيين أن واشنطن قد لا تدافع عنهم إذا تعرضوا لهجوم.
وتشير المجلة إلى أن هذا التحول انعكس على الرأي العام، إذ تؤيد أغلبية في عدة دول أوروبية زيادة الإنفاق الدفاعي، بينما يدعم 47% من المواطنين إصدار ديون أوروبية مشتركة لتمويل مشاريع الدفاع، وهي فكرة كانت تعد حتى وقت قريب غير قابلة للنقاش سياسيا. كما تتزايد الدعوات إلى تقليص الاعتماد على السلاح الأمريكي وشراء المعدات العسكرية الأوروبية.
وتوضح فورين أفيرز أن ألمانيا تقود عملية إعادة التسلح الأوروبية، بعدما أصبحت تمثل نحو ربع الإنفاق الدفاعي للاتحاد الأوروبي، مع توقعات بارتفاع ميزانيتها العسكرية إلى نحو 172 مليار دولار بحلول عام 2029. وفي الوقت نفسه، توسع برلين قدراتها في الصناعات الدفاعية، خاصة في مجال المسيّرات، بالتعاون مع شركات أوروبية كبرى.
💬 التعليقات (0)