لا أرى سبباً وجيهاً للدخول في تفاصيل ما سُمّي اتفاق الإطار بين الحكومة اللبنانية ودولة الاحتلال، برعاية أميركية كاملة وتامة. ولا أرى سبباً وجيهاً كذلك لشرح أو تبيان وجهات النظر اللبنانية، لأنها شُرحت من قبل الفرقاء، وبيّن كل طرف من الأطراف المعنية بهذا الاتفاق فهمه لأبعاده، وعبّر عن دعمه ومساندته، أو عارض واعترض ورفض، وأدّى كل الاستعداد لمواجهته، وصولاً إلى إسقاطه، حتى ولو أن هذا الموقف الأخير ما زال يرى أن لا سبب ولا مبرر للتهويل من أخطاره، باعتباره مجرد حركة التفافية مكشوفة، ليس لها أي رصيد فعلي، ولا تعدو كونها الورقة الأخيرة التي تلعبها القوى المعادية للمقاومة اللبنانية، والتي تتمثل، حتى الآن، في بنية الحكم في لبنان وغالبية الحكومة القائمة فيه.
اتفاق 26 حزيران هو باختصار، حمل كاذب ووهم مكعب؛ وهم إسرائيلي، ووهم أميركي، ووهم لبناني بالنسبة لأهل العهد ومتفرعات حكومة الرضوخ للشروط الأميركية والإملاءات الإسرائيلية، أملاً بألا يسقط هذا العهد ويتصدع ويتشظى في القادم من الأيام.
إليكم أربعة أسباب جوهرية ستطيح بهذا الاتفاق في المدى المنظور والمباشر، والتي لها طابع موضوعي، ناهيكم عن أسباب ذاتية وخاصة كبيرة وكثيرة، وناهيكم عن موقف إيران وموقف المقاومة، والتي سنأتي عليها في سياق هذا المقال.
السبب الأول هو سبب إسرائيلي. واهمٌ من يظن أن هناك من الدعم السياسي والحزبي الحقيقي لهذا الاتفاق، وحتى لو أن معارضة بن غفير وسموتريتش لهذا الاتفاق تنطوي على «مناكفة» سياسية مع حزب «الليكود» عموماً، ومع نتنياهو على وجه التحديد، إلا أن هذه المناكفة، في ظروف التمهيد للانتخابات، يمكن أن تتحول إلى معارضة جدية عند درجة معينة من احتدام الصراع على أصوات اليمين المتطرف والعنصري.
كما أن المعارضة الإسرائيلية الرسمية القائمة، اليوم، هي بدورها ليست بوارد مثل هذا الدعم، لنفس الأسباب الانتخابية، ولأسباب تتعلق بالثمن السياسي الذي دفعته هذه المعارضة جراء التحاقها وانجرارها وراء نتنياهو بعد فشل الحرب على إيران، حيث تسبب هذا الانجرار بقطع الطريق على هذه المعارضة في الوقوف بوجه نتنياهو بالقدر المطلوب لخوض صراع ناجع وناجح، ليس فيما يتعلق بكامل مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر، وإنما بكامل معركة الإصلاحات القضائية، وهي المعركة الأولى والأساسية، كما كانت قائمة بالفعل.
ولسان حال المعارضة الإسرائيلية الآن هو أن ما نشهده، في جوهر هذا الاتفاق ليس سوى تظاهرة إعلامية، وهي أقرب إلى «العرس ولكن بدون عروس»، وهي رشوة أو جائزة، جائزة ترضية أنعم بها الرئيس ترامب على نتنياهو، لتفادي معركة يمكن أن يخوضها نتنياهو ضد ترامب في الإدارة الأميركية، ولتفادي انخراط اللوبي الإسرائيلي، وهو اللوبي المحسوب على نتنياهو، في لعبة، وفي معركة التوازنات الانتخابية النصفية.
💬 التعليقات (0)