في عصر صارت فيه الشاشات جزءا من الدراسة والعمل والترفيه، يعود سؤال قديم ليتجدد: هل نفهم ونتذكر المعلومات بشكل أفضل عندما نقرأ على الورق أم عبر الشاشات؟ الأبحاث الحديثة لا تقدم جوابا قاطعا، لكنها تشير إلى أن الفارق يرتبط بنوع الشاشة وطريقة القراءة وطبيعة النص وحجم المشتتات المحيطة بالقارئ، أكثر مما يرتبط بالوسيط وحده.
هذا السؤال يعكس توترا يعيشه كثيرون اليوم: طلاب يتساءلون هل تستحق الطباعة كل هذا الجهد، وآباء قلقون على عادات أبنائهم القرائية، ومهنيون يحاولون اختيار الطريقة الأكثر كفاءة للاستيعاب وسط طوفان من المحتوى الرقمي.
يرى علماء النفس أن إحدى مزايا القراءة الورقية تكمن في ما يعرف بـ"الإحساس المكاني للنص". فالدماغ لا يتعامل مع الكلمات فقط، بل مع موقعها داخل الصفحة والكتاب كله، مما يساعد القارئ على تكوين خريطة ذهنية للنص، وتذكر مواضع المعلومات وربط الأفكار ببعضها، خاصة في النصوص الطويلة والمعقدة.
كما توفر الكتب المطبوعة إشارات حسية إضافية: ملمس الورق وسماكة الجزء المقروء والإحساس بما تبقى من الصفحات. هذه التفاصيل البسيطة تسهم في تنظيم المعلومات ذهنيا وتسهيل العودة إلى المقاطع المهمة.
تشير عالمة النفس النمائي والإدراك ماريان وولف -من جامعة تافتس- في مقال لمجلة "ساينتفِك أمريكان" إلى أن للقراءة جانبا ماديا كثيرا ما يُغفل في عصر الشاشات، وأن هذه الإشارات الحسية المصاحبة للكتاب تساعد على استيعاب المحتوى على نحو أعمق.
هذه الملاحظة تدعمها مراجعة علمية واسعة أجراها باحثون في جامعة فالنسيا الإسبانية ونشرت عام 2018 في دورية "بيهانفيور أند إنفورميشن تكنولوجي"، وشملت 54 دراسة وأكثر من 170 ألف مشارك. وأوضحت أن القراء يحققون في المتوسط فهما أفضل للنصوص عند قراءتها على الورق مقارنة بالشاشات، وهي الظاهرة التي وصفها الباحثون بـ"أفضلية الورق"، خاصة في النصوص المعلوماتية والمهام التي تتطلب فهما عميقا.
💬 التعليقات (0)