أمد/ تعود هذه الواقعة إلى21 من شهر يونيو حزيران من عام 2026 حين تحولت بركة الانعكاس الشهيرة الواقعة بين نصب لينكولن التذكاري ونصب واشنطن في قلب العاصمة الأمريكية إلى محور جدل سياسي وإعلامي واسع بعد أسابيع قليلة من انتهاء مشروع تجديدها الذي أشرفت عليه إدارة الرئيس دونالد ترامب بكلفة تجاوزت أربعة عشر مليون دولار ضمن الاستعدادات للاحتفال بالذكرى المئتين والخمسين لاستقلال الولايات المتحدة حيث أثار ظهور الطحالب العفنة وتقشر الطلاء الجديد وما تبعه من اتهامات بالتخريب المتعمد وحدوث اعتقالات مع موجة مناكفات سياسية واسعة اثارت العديد من التساؤلات حول إدارة المشروع ودلالاته الرمزية والسياسية.
العجيب انه في وقت تتزاحم فيه الحروب على شاشات الأخبار وتتسابق الأزمات الدولية على خطف اهتمام القادة وصناع القرار يبدو أن رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب وجد معركته الخاصة في مكان مختلف تماماً لا في أوكرانيا ولا في غزة ولا في طهران ولا على طاولة المفاوضات النووية ولا حتى في ساحات التنافس الاستراتيجي مع الصين بل في بركة ماء راكدة وسط العاصمة واشنطن وكأن العالم الذي يقف على حافة تحولات كبرى قد تقلص فجأة إلى بضعة أمتار من المياه والطحالب والطلاء المتقشر حتى بدا المشهد وكأن رئيس أقوى دولة في العالم يخوض حرباً ضروساً ضد اللون الأخضر بينما تتسع حوله خرائط النار والدخان والاضطراب دون أي مبالاة منه او اهتمام .
لعل المفارقة الأكثر إثارة للسخرية أن البركة العاكسة الشهيرة الواقعة بين نصب لينكولن التذكاري ونصب واشنطن لم تتحول إلى قضية هندسية أو بيئية عابرة بل إلى ملف سياسي وإعلامي كامل الأركان استدعى بيانات رئاسية واجتماعات مع المقاولين واتهامات بالتخريب واعتقالات وتحقيقات ومنشورات غاضبة على وسائل التواصل الاجتماعي في وقت تتدفق فيه أخبار النزاعات المسلحة والأزمات الاقتصادية العالمية بصورة تكاد تجعل الانشغال ببركة ماء أمراً أقرب إلى الكوميديا السياسية منه إلى إدارة شؤون دولة عظمى .
لقد أراد ترامب أن يجعل من مشروع تجديد البركة العاكسة نموذجاً رمزياً يعكس رؤيته لإعادة تشكيل صورة العاصمة الأمريكية قبل الاحتفالات الكبرى بمرور مئتين وخمسين عاماً على تأسيس الولايات المتحدة حيث جرى تجفيف الحوض بالكامل وإعادة تأهيله وتغيير مظهره التقليدي عبر طلاء قاعه بلون أزرق داكن أطلق عليه اسم أزرق العلم الأمريكي في محاولة لمنح الموقع التاريخي مظهراً أكثر جاذبية و قدرة على عكس صورة النصب التذكارية المحيطة به غير أن ما كان يفترض أن يتحول إلى إنجاز بصري ورمزي انتهى خلال فترة وجيزة إلى أزمة محرجة بعدما بدأت الطحالب بالظهور مجدداً وشرع الطلاء بالتقشر والتحلل على نحو لفت انتباه وسائل الإعلام والرأي العام .
ربما لم يكن الإحراج ناجماً فقط عن المشهد البصري الذي أعاد البركة إلى هيئة أقرب إلى المستنقع منه إلى المعلم الوطني الشهير بل أيضاً عن الكلفة المالية الكبيرة التي تجاوزت أربعة عشر مليون دولار وهي أموال كان يفترض أن تنتج مشروعاً مستقراً وقابلاً للاستمرار لسنوات طويلة فإذا بها تتحول إلى مادة للانتقاد والتشكيك حول جدوى الإنفاق وآليات التنفيذ وجودة المواد المستخدمة ومدى خضوع المشروع للدراسات الفنية الكافية قبل الشروع فيه .
مع تصاعد الانتقادات اختار ترامب طريقاً سياسياً مألوفاً في إدارة الأزمات يقوم على نقل النقاش من سؤال الكفاءة إلى سؤال المؤامرة ومن مساءلة التنفيذ إلى البحث عن مخربين مفترضين حيث سارع إلى الحديث عن أعمال تخريب متعمدة وعن أشخاص حاولوا إفساد المشروع عبر استخدام مواد كيميائية أو إلحاق الضرر بالبنية الجديدة للبركة كما أعلن عن اعتقال عدد من الأشخاص وهدد بعقوبات قاسية قد تصل إلى سنوات طويلة من السجن وهو خطاب بدا بالنسبة لكثير من المراقبين بانه فرصة لتحويل الأنظار بعيداً عن احتمالات الخطأ الفني أو الإداري نحو رواية أكثر جاذبية سياسياً تقوم على وجود خصوم يسعون إلى إفشال الإنجاز الرئاسي .
التعليقات (0)