تروج أسطورة مفادها أن الدراسات الأمنية والاستخبارية علم سري لا يخرج للعلن، ولا يُناقش، ولا يُسمح بتداوله، في حين تمتلك أجهزة استخبارات في دول عديدة مواقع إلكترونية تنشر عليها وثائق مرفوع عنها السرية وكتبا ودراسات متخصصة، بل وتصدر أحيانا مجلات دورية، مثل مجلة "دراسات في الاستخبارات" الفصلية التي تنشرها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية.
وفي الوقت ذاته، تنمو برامج الدراسات الأمنية والاستخبارية في الجامعات الغربية، خاصة الأمريكية والبريطانية، بوصفها حقلا معرفيا نشأ وتطور داخل البيئة الأنجلوساكسونية، قبل أن يمتد لاحقا إلى فرنسا وإيطاليا ودول أوروبية أخرى. وبحلول عام 2023 أُعلن في أنقرة تأسيس أكاديمية الاستخبارات الوطنية التركية، وهي مؤسسة معنية بصياغة الفهم الإستراتيجي التركي للتحولات الدولية والإقليمية، مع التركيز على الربط بين الدراسات الاستخبارية والأمنية، والتحولات الجيوسياسية والعسكرية المحيطة بتركيا. وشرعت الأكاديمية في إصدار دراسات تتناول القضايا الأمنية والعسكرية ذات الأولوية.
"تأسست أكاديمية الاستخبارات الوطنية التركية عام 2023 وهي مؤسسة معنية بصياغة الفهم الإستراتيجي التركي للتحولات الدولية والإقليمية"
وضمن هذا التوجه، نشرت الأكاديمية باللغة التركية في مايو/أيار 2026 دراسة مطولة بعنوان "الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية: من منظور عسكري وجيوسياسي"، وتألفت من 3 محاور، حيث ركز المحور الأول على التحديات التي تفرضها الحرب على صعيد التقنيات والعقيدة العسكرية، مثل الدور العملياتي المتزايد للذكاء الاصطناعي، وحدود التفوق الجوي، وصعود الطائرات المسيرة الانتحارية والأنظمة غير المأهولة، إلى جانب اقتصاديات الذخيرة والقدرات الإنتاجية، والتحول العقائدي المرتبط بهيمنة مفهوم الحرب الشبكية، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية.
وتناول المحور الثاني الآثار السياسية والجيوسياسية للحرب، وتضمَّن تحليل الانتقال السياسي الداخلي في إيران، والسياسة العدوانية لإسرائيل، وتداعيات الحرب على دول الجوار مثل العراق وسوريا، والآثار الاقتصادية العالمية للحرب، في حين قدم المحور الثالث تقييمات ونتائج وتوصيات من منظور تركيا.
تُعَد هذه الدراسة الثانية من نوعها التي تصدرها الأكاديمية بشأن الصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران وتداعياته، بعد دراسة سابقة بعنوان "حرب الاثني عشر يوما والدروس المستفادة لتركيا"، تناولت الحرب الإسرائيلية الإيرانية في منتصف عام 2025. وقد تحوَّلت بعض التوصيات التي طرحتها تلك الدراسة إلى خطوات عملية، مثل تسريع صفقة شراء مقاتلات "يوروفايتر تايفون" لتطوير القدرات الجوية التركية، إلى جانب الشروع في إنشاء ملاجئ جماعية في المدن الكبرى بمختلف الولايات التركية للحماية من الكوارث، وكذلك من الهجمات الجوية والصاروخية في أي صراع محتمل.
💬 التعليقات (0)