أمد/ لا يبدو الاتفاق الإطاري الذي توصلت إليه إسرائيل ولبنان برعاية أمريكية مجرد تفاهم لتنظيم الانسحاب الإسرائيلي من أجزاء من جنوب لبنان أو إنشاء آلية لمراقبة تنفيذ ترتيبات أمنية جديدة. فقراءته في سياق ما بعد السابع من أكتوبر تكشف أنه قد يعكس تحولاً أعمق في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، وربما يمثل بداية الانتقال من عقيدة "الحسم العسكري" إلى استراتيجية تقوم على "إعادة هندسة البيئة الأمنية". ويقصد بـ"هندسة البيئة الأمنية" في هذا السياق الانتقال من التركيز على هزيمة الخصم عسكرياً إلى إعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية والمؤسسية المحيطة به، بما يقلل من قدرته على إعادة إنتاج التهديد، عبر توزيع المسؤوليات بين الدولة، والضمانات الدولية، والردع العسكري.
هذا التحول، إن صح، لا يعني تخلي إسرائيل عن القوة العسكرية، بل إعادة تعريف دورها. فالقوة لم تعد تُطرح باعتبارها الوسيلة الوحيدة لإنهاء التهديدات، وإنما أصبحت أداة لتهيئة بيئة سياسية وأمنية جديدة، تشارك في إدارتها الدولة اللبنانية، والولايات المتحدة، والمجتمع الدولي، مع احتفاظ إسرائيل بحق التدخل إذا فشلت هذه المنظومة.
بعد هجوم السابع من أكتوبر، أعلنت حكومة بنيامين نتنياهو نهاية مرحلة "إدارة الصراع". وارتفع سقف الخطاب السياسي والعسكري إلى الحديث عن القضاء على مصادر التهديد، سواء في غزة أو على الجبهة الشمالية "النصر الساحق". وفي لبنان، لم يعد الهدف مجرد ردع حزب الله أو إبعاده عن الحدود، بل الحديث عن تفكيك قدراته العسكرية وإنهاء التهديد الذي يمثله بصورة نهائية. وعندما أُعلن اتفاق 29 نوفمبر 2024، قُدم داخل إسرائيل باعتباره دليلاً على نجاح هذه المقاربة، وأن الضغط العسكري فرض واقعاً جديداً على حزب الله والدولة اللبنانية. لكن الأشهر التالية كشفت أن الحسم العسكري، حتى لو حقق نجاحات ميدانية كبيرة، لا يعني بالضرورة إنهاء التهديد. فقد أظهرت عودة حزب الله إلى الانخراط في المواجهة خلال مارس 2025، في سياق الحرب الإسرائيلية–الإيرانية، أن التنظيمات المقاومة المرتبطة بقواعد شعبية ومحاور إقليمية يصعب إخراجها نهائياً من معادلة الصراع بالقوة العسكرية وحدها. فهي تمتلك القدرة على إعادة التموضع واستثمار التحولات الإقليمية، بما يجعل "الحسم الكامل" هدفاً أكثر تعقيداً مما افترضته الخطابات السياسية في بداية الحرب.ومن هنا، يمكن النظر إلى الاتفاق الجديد لا باعتباره تخلياً عن عقيدة الحسم العسكري بشكل مطلق، وإنما بوصفه مؤشراً على إدراك متزايد داخل إسرائيل أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لتحقيق أهدافها السياسية بصورة مستدامة، وأن تحقيق الأمن طويل الأمد يتطلب إعادة تشكيل البيئة التي ينتج فيها التهديد، وليس فقط استهداف أدواته العسكرية.
من هزيمة الخصم إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية.
تكشف بنود الاتفاق عن هذا التحول بوضوح. فالهدف لم يعد أن تتولى إسرائيل وحدها إزالة تهديد حزب الله، وإنما أن تتحمل الدولة اللبنانية المسؤولية القانونية والأمنية عن احتكار السلاح، وأن يتولى الجيش اللبناني فرض السيطرة على المناطق الحدودية، بينما تشرف الولايات المتحدة على تنفيذ الالتزامات، ويرتبط دعم إعادة الإعمار بالتقدم في هذا المسار. وبذلك، تنتقل إسرائيل من محاولة القضاء المباشر على التهديد إلى محاولة إعادة تنظيم البيئة الأمنية التي يعمل داخلها هذا التهديد. ولا يعني ذلك تراجعاً عن استخدام القوة. فالانسحاب الإسرائيلي ليس تلقائياً، وإنما يبقى مشروطاً بنتائج التحقق من تنفيذ الالتزامات. كما تحتفظ إسرائيل بوجود في مناطق أمنية انتقالية، وبحقها في استئناف العمل العسكري إذا رأت أن حزب الله يعيد بناء قدراته أو أن الدولة اللبنانية أخفقت في تنفيذ التزاماتها. إنها صيغة تجمع بين الردع العسكري والاتفاق السياسي، بحيث تصبح القوة العسكرية أداة لضمان تنفيذ الاتفاق، لا بديلاً عنه. ومن هذه الزاوية أيضاً، ترى إسرائيل أن الاتفاق يختلف عن القرار 1701، ليس بسبب الأهداف المعلنة، وإنما بسبب آليات التنفيذ. فبينما اعتمد القرار السابق على التزامات عامة ودور قوات اليونيفيل والدولة اللبنانية، يقوم الاتفاق الجديد على تنفيذ تدريجي مشروط، وإشراف أمريكي مباشر، وربط أي انسحاب إسرائيلي بنتائج التحقق من تنفيذ الالتزامات الأمنية.
تقاطع الرؤية الإسرائيلية مع الرؤية الأمريكية
💬 التعليقات (0)