أمد/ في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، تبرز "مذكرة التفاهم" الأخيرة بين الولايات المتحدة والنظام الإيراني كإجراءٍ تكتيكيٍّ يهدف إلى احتواء التصعيد المباشر، لا كحلٍ جذريٍّ للأزمات الهيكلية التي تضرب مفاصل الدولة الإيرانية. إن قراءة المشهد الراهن تتطلب تجاوز الخطاب الرسمي لكلا الطرفين، نحو فهمٍ موضوعيٍّ لتوازنات القوى التي لم تعد تحكمها معادلات الردع العسكري التقليدي بقدر ما تحكمها الديناميكيات الداخلية المتفجرة.
جدلية "اللاغالب واللامغلوب" وتفكيك التفاهمات
تُشير المعطيات الميدانية إلى أن مذكرة التفاهم الحالية لا تمثل انتصاراً لأيٍّ من الطرفين؛ بل هي اعترافٌ ضمنيٌّ بحدود القوة. فمن جهة، اصطدمت الاستراتيجية الأمريكية بتعقيدات اقتصادية وجيوسياسية — لا سيما في منطقة مضيق هرمز — فرضت واقعاً يمنع الوصول إلى الأهداف القصوى. ومن جهة أخرى، اضطر النظام الإيراني، تحت وطأة ضغوط وجودية، إلى قبول هذا التفاهم الأولي. إن هذا "الجمود الاستراتيجي" يؤكد أن جذور الأزمة التي أشعلت نيران الحرب لا تزال قائمة، وأن أي تهدئةٍ في الوقت الراهن ليست إلا استراحة محارب هشة، حيث لم يُحسم مصير القضايا الخلافية الجوهرية، مما يُبقي احتمالية تجدد الصراع خياراً قائماً ومحتماً في غياب تغييرٍ جوهري في السياسات.
وهم الانتصار واستراتيجية "شراء الوقت"
يعمد النظام الإيراني في خطابه الإعلامي إلى الترويج لانتصارٍ وهمي، بينما تُظهر التقارير الصادرة عن مراكز الرصد الدولية أن النظام يمر بـ أضعف مراحله التاريخية. إن سياسة التنازلات التكتيكية التي يمارسها النظام ليست إلا محاولةً لكسب الوقت وتأجيل المواجهة مع الاستحقاقات الداخلية. إن الاعتقاد بأن النظام سيتخلى عن سياساته التوسعية أو القمعية هو تصور يفتقر إلى الواقعية السياسية؛ فالنظام يدرك أن أي تراجعٍ استراتيجيٍّ في مشروعه الإقليمي قد يفتح الباب أمام تقويض أركان بقائه.
هشاشة البنيان: حينما يصبح الداخل هو التهديد الأكبر
💬 التعليقات (0)