أمد/ ليست المرة الأولى التي يكرر فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حديثه عن إسناد مهمة التعامل مع حزب الله إلى سوريا لكنها المرة الأولى التي يبدو فيها هذا الطرح جزءاً من رؤية أمريكية أوسع لإعادة ترتيب خرائط النفوذ في المشرق العربي بعد التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة خلال العامين الأخيرين خاصة وان الرجل لم يكتف بالإشادة بالرئيس السوري أحمد الشرع بل عاد أكثر من مرة ليطرح دمشق باعتبارها الطرف القادر على القيام بما عجزت عنه إسرائيل في تصريحات أثارت تساؤلات واسعة حول حقيقة الأهداف الأمريكية وما إذا كانت واشنطن تحاول بالفعل جر سوريا إلى مواجهة جديدة أم أنها تستخدم هذه الورقة للضغط على أطراف إقليمية أخرى وفي مقدمتها إيران وحزب الله ضمن عملية إعادة رسم التوازنات الإقليمية بعد الحرب الأخيرة.
رغم تكرار هذه التصريحات جاء الموقف السوري واضحاً وحاسماً منذ اللحظة الأولى إذ سارعت دمشق إلى نفي وجود أي نية أو رغبة في التدخل العسكري داخل لبنان، مؤكدة أن أولويتها تتمثل في دعم الدولة اللبنانية ومؤسساتها وتعزيز التعاون الأمني والاقتصادي بين البلدين بعيداً عن أي مقاربة عسكرية يمكن أن تعيد إنتاج عقود من الصراعات والتوترات التي دفعت شعوب المنطقة أثماناً باهظة بسببها كما ان بيروت تلقّت مؤخرا عدة رسائل تطمين سورية متكررة تؤكد احترام سيادة لبنان ورفض أي تدخل عسكري في شؤونه وهو موقف لقي ارتياحاً داخل الأوساط الرسمية اللبنانية التي شددت بدورها على أن أي معالجة لملف حزب الله تبقى مسؤولية لبنانية داخلية وليست شأناً تتولاه قوات أجنبية أو أطراف إقليمية.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا لا يتعلق فقط بسبب رفض دمشق وإنما بسبب إصرار ترامب نفسه على إعادة طرح هذه الفكرة في أكثر من مناسبة فهل تعتقد الإدارة الأمريكية فعلاً أن سوريا قادرة على خوض مواجهة عسكرية مع حزب الله وإنهائها بصورة أكثر نجاحاً من إسرائيل أم أن الأمر لا يتجاوز كونه جزءاً من أدوات الضغط السياسي في مرحلة التفاوض مع إيران ورسالة موجهة إلى أكثر من طرف في آن واحد .
قد يكون من الصعب التعامل مع تصريحات ترامب باعتبارها مجرد انفعالات سياسية عابرة خاصة وان الرجل اعتاد استخدام التصريحات الصادمة كوسيلة لإرباك خصومه واختبار ردود أفعالهم ورفع سقف التفاوض قبل الوصول إلى التسويات. ولذلك فإن تكراره الحديث عن دور سوري ضد حزب الله يوحي بأن الفكرة مطروحة داخل بعض دوائر التفكير الأمريكية حتى وإن لم تتحول إلى خطة تنفيذية مكتملة الأركان الا ان طرح الفكرة شيء وإمكانية تنفيذها شيء آخر مختلف تماماً.
الواقع العسكري والسياسي في سوريا اليوم لا يشبه إطلاقاً سوريا التي عرفتها المنطقة قبل خمسة عشر عاماً والبلاد لا تزال تعيد بناء مؤسساتها العسكرية والأمنية والاقتصادية بعد سنوات طويلة من الحرب والاستنزاف والجيش السوري يخوض عملية إعادة تنظيم وتأهيل تحتاج إلى سنوات قبل أن يستعيد قدراته الكاملة وفي المقابل يمتلك حزب الله خبرة قتالية تراكمت عبر عقود من المواجهات سواء في لبنان أو سوريا أو في مواجهة إسرائيل الأمر الذي يجعل أي حديث عن مواجهة مباشرة بين الطرفين يتجاهل اختلالاً واضحاً في موازين القوة والخبرة الميدانية.
بل إن المفارقة الأكثر لفتاً للانتباه تكمن في أن إسرائيل نفسها وبما تمتلكه من تفوق جوي واستخباري وتقني هائل لم تستطع حسم المواجهة مع حزب الله بالسرعة التي كانت تتوقعها واضطرت إلى خوض حرب مكلفة سياسياً وعسكرياً وإنسانياً وهو ما دفع ترامب نفسه إلى انتقاد الأداء الإسرائيلي معتبراً أن تل أبيب لم تتمكن من تحقيق أهدافها دون تدمير واسع وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين وإذا كانت إسرائيل بكل إمكاناتها لم تحقق الحسم الذي كانت تسعى إليه فمن أين يأتي الافتراض بأن سوريا الخارجة من حرب طويلة ستكون قادرة على إنجاز المهمة بسهولة .
💬 التعليقات (0)