كي تحيا الأسماك في المحيطات، يتعين عليها العيش في وسط مائي شديد الملوحة وشرب هذا الماء المالح باستمرار دون التعرض للجفاف. هذا الواقع اليومي يفرض عليها الاعتماد على إستراتيجية حيوية مذهلة تعرف باسم "التنظيم الأسموزي"؛ وهي عملية فسيولوجية دقيقة تهدف إلى موازنة الأملاح والسوائل داخل خلاياها، لحمايتها من أي اختلالات قد تهدد استقرار جسمها.
لعقود، اعتقد العلماء أن الأسماك العظمية تعتمد كليا على خلاياها وأعضائها الخاصة للتخلص من الأملاح والمعادن الزائدة في بطونها، وذلك عبر تحويلها كيميائيا إلى رواسب كلسية صلبة يتم طردها لاحقا لخفض الملوحة الداخلية.
ولكن، في كشف علمي جديد ومثير نشر في دراسة حديثة في دورية "بلوس بيولوجي" (PLOS Biology)، تبين أن الأسماك ليست وحدها في هذه المهمة الكيميائية الحيوية المعقدة، بل تستعين بشريك مجهري غير مرئي يعيش معها في وئام، وهو الميكروبيوم المعوي، وتحديدا نوع خاص من البكتيريا النافعة المستوطنة في أمعائها.
يقول أنتوني بوناكولتا، باحث ما بعد الدكتوراه في مختبر كيلينغ في جامعة كولومبيا البريطانية في الأراضي التقليدية لشعب موسكويام في كندا، وأحد الباحثين الرئيسيين في الدراسة، في تصريحات حصرية للجزيرة نت: "على عكس سمكة الضفدع، يمتلك البشر كلى مهيأة لتصفية الأملاح الزائدة، ونعوض الماء المفقود من خلال الشرب والماء الناتج عن عمليات الأيض. كما أننا لا نعيش في مياه مالحة، لذا لا نواجه التحدي الأسموزي نفسه ولا ننتج حصى معوية مماثلة."
تحدث العملية التكيفية مع المحيط المالح داخل جسم سمكة الضفدع الخليجية في تناغم مذهل. فعندما تشرب السمكة مياه البحر المالحة لتعويض السوائل التي تفقدها باستمرار لصالح البيئة شديدة الملوحة المحيطة بها، يقوم جسمها أولا بامتصاص الماء العذب من خلال جدران الأمعاء للاستفادة منه في وظائفه الحيوية. هذا الامتصاص يؤدي بطبيعة الحال إلى بقاء الأملاح والمعادن الزائدة، مثل الكالسيوم والمغنيسيوم، مركزة بدرجة عالية داخل مجرى الأمعاء.
يقول أنتوني: "تتغلب الأسماك البحرية على مشكلة الجفاف من خلال إنتاج البيكربونات. حيث تتفاعل هذه البيكربونات مع الكالسيوم والمغنيسيوم في الأمعاء لتترسب على شكل جزيئات كربونات صلبة، تُعرف باسم إيكثيوكربونات . من خلال تثبيت هذه الأيونات في صورة حصى صلبة، تُبقي السمكة تركيز الأيونات الذائبة في أمعائها منخفضا بما يكفي لاستمرار امتصاص الماء بكفاءة."
💬 التعليقات (0)