رغم التحريض المتواصل عليها من قبل أشخاص مشبوهين، تواصل الشرطة الفلسطينية في قطاع غزة أداء مهامها في ظل ظروف استثنائية فرضتها الحرب المستمرة وما نتج عنها من انهيار واسع في البنية التحتية والخدمات العامة. وفي الوقت الذي تعمل فيه الأجهزة الشرطية على حفظ الأمن والنظام العام وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، تتعرض عناصرها ومقارها للاستهداف المباشر من قبل الاحتلال الإسرائيلي، بالتوازي مع حملات تحريض وتشكيك تتصاعد عبر بعض المنصات الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي. منذ بداية الحرب على قطاع غزة تعرضت العديد من المقرات الأمنية والشرطية للقصف والتدمير، كما استهدفت غارات إسرائيلية أفرادًا من الشرطة أثناء تأدية مهامهم المدنية المرتبطة بحماية الممتلكات العامة وتنظيم حركة المواطنين وتأمين المساعدات الإنسانية. وفي 26 يونيو/حزيران، استهدفت غارة إسرائيلية مركبة تابعة للشرطة الفلسطينية، ما أدى إلى استشهاد ثلاثة من عناصرها أثناء قيامهم بواجبهم المهني على طريق صلاح الدين في مخيم المغازي وسط قطاع غزة، في جريمة تضاف إلى سلسلة من الاستهدافات التي طالت الأجهزة المدنية والأمنية في القطاع. تواجه الشرطة تحديات كبيرة نتيجة النقص الحاد في الإمكانات والمعدات وتدمير العديد من مقارها ومراكزها، ورغم ذلك، تواصل العمل على تنظيم الشؤون المدنية، ومكافحة الفوضى والسرقات، وتأمين المرافق العامة والأسواق ومراكز الإيواء، إضافة إلى المساهمة في حماية قوافل المساعدات الإنسانية.
بالتزامن مع الاستهداف العسكري، تشهد الساحة الإعلامية ومواقع التواصل حملات انتقاد وتحريض ضد رجال الشرطة، الأمر الذي يثير تساؤلات حول تأثير هذه الخطابات على السلم الأهلي وقدرة المؤسسات المدنية على أداء وظائفها في أوقات الأزمات. بدوره، أكد الكاتب والمحلل السياسي تيسير محيسن أن استهداف رجال الشرطة في قطاع غزة خلال هذا التوقيت يحمل دلالات خاصة، مشيرًا إلى أنه يبدو أكثر قصدًا من الاستهدافات السابقة، رغم أن استهداف الشرطة لم يتوقف لحظة واحدة منذ بداية الحرب. وقال محيسن لـ"الرسالة نت": إن "الاحتلال الإسرائيلي كثف استهدافه لرجال الشرطة والأجهزة الأمنية بشكل عام، لا سيما منذ توقيع اتفاقات التهدئة قبل أكثر من سبعة أشهر"، موضحًا أن عشرات، وربما مئات، من أفراد الشرطة ارتقوا جراء هذه الاستهدافات المتواصلة. وأضاف أن الهدف الإسرائيلي كان واضحًا ويتمثل في حرمان قطاع غزة من أي إمكانية لاستعادة النظام والأمن، حتى بالحدود النسبية الممكنة في ظل الحرب الدموية التي يتعرض لها القطاع. وأشار إلى أن الدعوات التي رافقت ما عرف بحراك "26-6" تقاطعت، مع أهداف الاحتلال الساعية إلى نشر الفوضى والفلتان الأمني في قطاع غزة وتهيئة الأجواء لصراع داخلي، إلا أن هذه المحاولات أُحبطت بفعل تكاتف المجتمع الفلسطيني بمختلف فئاته وقواه السياسية والعشائرية ومؤسساته المدنية. وأوضح محيسن أن الجهود الرامية إلى تأجيج الأوضاع ودفع المواطنين إلى الشوارع وتعطيل مظاهر الحياة والنظام والاستقرار النسبي القائم في القطاع لم تحقق أهدافها، مؤكدًا أن تلك المحاولات انتهت إلى الفشل، وكذلك الجهود التي قال إن الاحتلال دعمها أو راهن عليها. ورأى أن استهداف رجال الشرطة وقوى الأمن جاء في سياق الرد على الدور الذي قاموا به في الحفاظ على الحالة المعيشية للمواطنين وتأمين احتياجاتهم اليومية في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها القطاع. وأضاف أن توقعات كانت قائمة بإمكانية لجوء الاحتلال إلى استهداف عناصر الأمن بعد انتشارهم وإسهامهم في إفشال ما وصفه بمخطط نشر الفوضى، معتبرًا أن الاستهداف الأخير جاء، بحسب تقديره، في إطار الانتقام من هؤلاء الذين ساهموا في الحفاظ على قدر من الاستقرار ومنع انزلاق الأوضاع نحو الفوضى. وبين أن الاستهداف كان مقصودًا، كما أن توقيته كان مقصودًا أيضًا، رغم أنه يأتي ضمن مسلسل متواصل من استهداف رجال الشرطة والأجهزة الأمنية منذ بداية الحرب على قطاع غزة.
💬 التعليقات (0)