أعاد انهيار حكومة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر طرح سؤالا يتجاوز الأزمة السياسية إلى قدرة المالية العامة البريطانية على تمويل أولويات الدولة، بعدما تقلصت قاعدة الإيرادات مقارنة بما كانت عليه منذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وبعد عشر سنوات على استفتاء عام 2016، لم يعد الجدل الاقتصادي يدور حول حجم الناتج المفقود، بل حول الإيرادات الضريبية التي خسرتها الخزانة العامة، وما ترتب عليها من تضييق هامش المناورة أمام الحكومات المتعاقبة.
وجاءت استقالة ستارمر في 22 يونيو/حزيران 2026 بعد أشهر من الخلافات بشأن الإنفاق العام وتمويل الدفاع، بينما وجدت وزيرة المالية راشيل ريفز نفسها مقيدة بتعهدات تمنع رفع الضرائب الرئيسية وقواعد تحد من الاقتراض. وتشير دراسات صادرة عن مكتب مسؤولية الميزانية البريطاني ومراكز أبحاث مستقلة إلى أن هذه القيود تعكس، بدرجات متفاوتة، أثرا ماليا طويل الأجل لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أصبح قيدا ملازما لكل موازنة جديدة.
ورغم أن بريطانيا واجهت خلال العقد الماضي صدمات أخرى، من تداعيات الأزمة المالية العالمية إلى جائحة كورونا وأزمة الطاقة وارتفاع كلفة خدمة الدين، فإن معظم الاقتصاديين يرون أن بريكست أضاف عبئا هيكليا دائما يتمثل في اقتصاد أصغر، وقاعدة ضريبية أضعف، ومساحة مالية أضيق أمام الحكومات.
يفترض مكتب مسؤولية الميزانية البريطاني أن خروج بريطانيا سيخفض إنتاجية الاقتصاد على المدى الطويل بنحو 4% نتيجة تراجع كثافة التجارة البريطانية بنحو 15%. ويستند هذا التقدير إلى متوسط نتائج 13 دراسة مستقلة، ليشكل أحد المرتكزات الأساسية التي تبني عليها الحكومة توقعاتها المالية.
واستنادا إلى الناتج المحلي الإجمالي لعام 2024، تعادل هذه الخسارة نحو 116 مليار جنيه إسترليني سنويا (نحو 153.1 مليار دولار)، بحسب حسابات منصة "بريكست فاكت بيس". كما يقدر المكتب أن نحو 40% من هذا الأثر تحقق بالفعل مع دخول اتفاق التجارة والتعاون بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي حيز التنفيذ عام 2021.
وتشير تقديرات أخرى إلى خسائر أكبر، إذ قدر المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية انخفاض الناتج طويل الأجل بين 5% و6%، ورجح مركز الإصلاح الأوروبي خسارة بنحو 5.5%، بينما رفعها بنك غولدمان ساكس إلى 8%. كما خلصت دراسة للمكتب الوطني الأمريكي للبحوث الاقتصادية في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 إلى أن الأثر يتراوح بين 6% و8%. ورغم اختلاف المنهجيات، فإن جميعها تشير إلى أن الاقتصاد البريطاني بات أصغر مما كان سيبلغه لو بقي داخل التكتل الأوروبي.
💬 التعليقات (0)