في الدول التي تتبع النظام القانوني الأنجلوسكسوني، مثل بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، يقوم النظام القضائي على توزيع واضح للأدوار بين القاضي وهيئة المحلفين، بما يضمن الفصل بين تطبيق القانون وتقدير الوقائع. فالقاضي يتولى إدارة جلسات المحاكمة وضبط الإجراءات القانونية وشرح القواعد القانونية الواجب تطبيقها، كما يختص بالفصل في المسائل القانونية أثناء سير الدعوى. أما تقدير الوقائع، أي تحديد ما حدث فعلياً في القضية، فيُترك عادةً لهيئة المحلفين في القضايا التي تُعقد فيها محاكمات
في الدول التي تتبع النظام القانوني الأنجلوسكسوني، مثل بريطانيا والولايات المتحدة، يقوم النظام القضائي على توزيع واضح للأدوار بين القاضي وهيئة المحلفين، بما يضمن الفصل بين تطبيق القانون وتقدير الوقائع. فالقاضي يتولى إدارة جلسات المحاكمة، وضبط الإجراءات القانونية، وشرح القواعد القانونية الواجب تطبيقها، كما يختص بالفصل في المسائل القانونية أثناء سير الدعوى. أما تقدير الوقائع، أي تحديد ما حدث فعلياً في القضية، فيُترك عادةً لهيئة المحلفين في القضايا التي تُعقد فيها محاكمات أمام محلفين ( القضايا الخطيرة والجنايات الكبرى).
تتكون هيئة المحلفين من مجموعة من المواطنين العاديين يتم اختيارهم وفق معايير وإجراءات قانونية محددة لضمان الحياد. وتتمثل مهمتها في الاستماع إلى الأدلة والشهادات المقدمة من طرفي الدعوى، ثم مناقشتها وتقييمها للوصول إلى قناعة جماعية بشأن الوقائع، وعلى أساسها تصدر قرارها بالإدانة أو البراءة في القضايا الجنائية. وبذلك، لا تقوم العدالة في هذا النظام على النص القانوني وحده، بل تعتمد أيضاً على قوة الأدلة ومدى إقناعها لهيئة المحلفين في تكوين قناعتهم حول حقيقة ما حدث.
ومن هذه الزاوية، تبدو القضية الفلسطينية وكأنها تخوض معركة مستمرة أمام “هيئة محلفين” عالمية. ففي هذا السياق، لا يكفي امتلاك عدالة القضية أو قوة الحق التاريخي والإنساني، بل يصبح ضرورياً أيضاً امتلاك خطاب مُوحّد وسرديّة متماسكة قادرة على الوصول إلى وعي هذا الجمهور العالمي والتأثير فيه.
وفي هذا التشبيه، تُمثّل هيئة المحلفين المجتمع الدولي بمختلف مكوناته من دول ومؤسسات ومنابر إعلامية وصناع قرار ورأي عام، فيما يُنظر إلى الاحتلال الإسرائيلي بوصفه جهة الادعاء، بينما يمثل الفلسطينيون بمختلف قواهم السياسية هيئة الدفاع. وعليه فإن “المحاكمة” لا تُحسم على أساس الوقائع وحدها، بل على أساس كيفية تقديمها، وترتيبها، وصياغتها ضمن رواية قادرة على الإقناع والتأثير.
ومن هنا تبرز إحدى أهم الإشكاليات المرتبطة بالقضية الفلسطينية؛ إذ تمتلك هذه القضية المشروعية التاريخية والإنسانية والقانونية، غير أن هذه المشروعية تفتقر إلى قوة سياسية مؤثرة على الساحة الدولية. ففاعلية أي قضية في المجال السياسي لا تقوم على عدالتها وحدها، بل على كيفية تقديمها وصياغتها ضمن خطاب موحّد ورؤية مشتركة قادرة على مخاطبة العالم بلغة واضحة ومقنعة. لذلك، فإن غياب السردية الواحدة أو تشتت الخطاب يحدّ من القدرة على تحويل هذه المشروعية إلى تأثير فعلي في موازين القوى وصنع القرار الدولي.
💬 التعليقات (0)