في كل مرة يرحل فيها واحد من أبناء هذا الوطن، نتوقف عند اسمه، لكننا كثيرًا ما نعجز عن التوقف عند سيرته. ليس لأنه لم يصنع تاريخاً، بل لأن بعض الرجال كانوا يؤمنون أن الفعل أهم من الرواية، وأن التضحية أصدق من الظهور، وأن الوطن لا يُبنى بالأضواء، وإنما بالرجال الذين يعملون في الظل.
برحيل المناضل أبي كريم، عماد الدين شكري جاموس، تستيقظ في ذاكرتنا صورة جيل كامل من أبناء حركة فتح، أولئك الذين حملوا القضية على أكتافهم، وعملوا بصمت، ولم يطلبوا يومًا لقباً ولا منصباً ولا شهرة.
لا نعرف عن أبي كريم كل التفاصيل، لكننا نعرف ما يكفي لنفهم أنه كان من أولئك الفدائيين الذين انخرطوا في العمل الوطني، وأسهموا في مسيرة الثورة، وكان لهم دور في القطاع الغربي (جهاز الأرض المحتلة)، وهو أحد أكثر ميادين العمل الوطني حساسية وخطورة، حيث كانت المهمة تُنجز في صمت، ويظل صاحبها مجهولًا حفاظًا على الوطن والرفاق.
لقد كان هذا الجيل يؤمن بأن النجاح الحقيقي هو أن تنجح المهمة، لا أن يُعرف منفذها. ولذلك بقي كثير منهم بعيدين عن صفحات الكتب، رغم أنهم كانوا جزءًا من صناعة تاريخ فلسطين المعاصر.
وأنا أكتب عن أبي كريم، لا أستطيع إلا أن أتذكر والدي، رحمه الله، الذي كان هو الآخر من الجنود المجهولين. كان من أوائل أبناء الحركة، ومن مؤسسيها، لكنه لم يكن ممن يبحثون عن الأضواء. عاش مؤمناً أن الانتماء مسؤولية، وأن خدمة الوطن شرف لا يحتاج إلى شهادة من أحد.
هكذا كان كثير من رجال فتح الأوائل. كانوا يعرفون أن أسماءهم قد لا تُكتب في الصحف، وأن صورهم قد لا تُعلّق على الجدران، لكنهم كانوا على يقين أن فلسطين تحفظ أبناءها، وإن تأخر الناس في حفظ أسمائهم.
💬 التعليقات (0)