أمد/ يتناول هذا المقال حواراً تربوياً أجريَ إلكترونياً[1] مع الأخصائية التربوية منى سروجي[2] حول الدور الجوهري لأدب الأطفال في بناء شخصية الطفل وتطوير لغته وخياله، حيث يستعرض اللقاء تحوّل القراءة من أداة تعليمية جامدة أو وعظية إلى ممارسة تفاعلية تعزز الروابط العاطفية بين الأهل والأبناء من خلال الحوار والمشاركة، كما يسلط الحوار الضوء على التحديات المعاصرة التي تواجه ثقافة القراءة في العالم العربي، مثل طغيان الأجهزة الذكية وارتفاع تكاليف الكتب، مع تأكيد ضرورة اختيار قصص تحاكي واقع الطفل وتنمي مهاراته التفكيرية، وفي ختام ذلك اللقاء الذي أدارته أسمى نجم[3]، تشدد الخبيـرة التربوية سروجي على مسؤولية الكتّاب والمجتمع في تقديم محتوى يحترم ذكاء الطفل ويوفر له مساحة آمنة لاستكشاف العالم والقيم الإنسانية العليا.
هذا كان ملخصاً يبيّن أهم محاور تلك الحلقة المهمة من بودكاست منهجيات التعليمي[4]، وأما في التفاصيل وتحليل ذلك اللقاء، فيتبين الكثير من الأفكار والرؤى التي تخص نشاط القراءة، وخاصة في مراحل الطفل الأولى، وفيما يأتي تحليل لهذا اللقاء، والوقوف على أهم ما جاء فيه من أفكار عملية، سهلة التطبيق، سواء أكان في البيت أم في المدرسة.
في ظل التحولات (الجيو سياسية) والثقافية الكبرى التي تعصف بالعالم العربي، لم تعد القصة أداة ترفيهية لتمضية الوقت أو وسيلة تقنية لمساعدة الطفل على النوم، أو ليتابع المشاهد العربي حلقاتها ومشاهدها في الدراما التمثيلية في التلفاز والسينما؛ بل أضحت مختبراً حيوياً لتشكيل الهوية واللغة، ومساحة استراتيجية لإعادة صياغة الوعي المجتمعي المحلي والدولي، وكما حضرت القصة في سياقات إعلامية وصحفية[5] وكان لها دور كبير في الحروب، لا سيما في حرب الإبادة الجماعية التي نفذها الاحتلال على قطاع غزة حضرت في السياق التربوي، من هنا تأتي هذه المراجعة المتأنية لهذا الحوار لتكشف عن رؤية تربوية وأكاديمية لافتة تتجاوز السطح الوصفي لتغوص في لبّ فعل القراءة كفعل مقاومة إنساني ضد التهميش الثقافي، بعيداً قليلا- ولو لتحديد الغرض التربوي- عن الحرب وأهوالها.
ترى سروجي أن القصة هي المساحة الآمنة التي تتيح للطفل الحوار مع الذات ومع العالم، وهي فلسفة تربط ربطاً عضوياً بين الأدب والنمو الإنساني المتكامل، ولا تتحدث في هذا المجال عن القراءة بوصفها فعل تسلية، بل عن أمن ثقافي يبدأ من الكلمة المكتوبة واللحظة المشتركة، ويستدعي هذا الحوار تفكيكاً نقدياً للواقع التربوي المعاصر، حيث تتحول القصة في أيدي المربين الواعين من نص لغوي- بغض النظر عن كيفية نشره وأشكاله المتعددة- إلى كيان حي يعالج تشظي الهوية العربية ويمنح الطفل أدوات التفكير الناقد والحساسية الجمالية التي يحتاجها في عالم مضطرب، ومن هذا المنطلق، أستهلّ هذه القراءة التحليلية باستكشاف التحولات البنيوية التي طالت ثقافة القراءة، وكيف يمكن استعادة القصة كفعل إنساني يوقظ السؤال ويحمي المعنى.
يمثل البيت النواة الأولى والمنطلق الاستراتيجي لتشكيل الطفل القارئ، إلا أن هذا الفضاء شهد تحولات أساسية سلبت منه الكثير من دفئه التاريخي؛ فبالعودة إلى الذاكرة الجمعية يتبين أن البيت كان يضج بالقصة الشفوية التي كانت تنسجها الجدّات حول شخصيات مثل جبينة والشاطر حسن ونص نصيص وحكايات الغول، وهي حكايات لم تكن تهدف للوعظ الخالص، بل كانت بمثابة نظام تعليمي موازٍ يرسخ القيم المجتمعية، ويربط الأجيال بجذورها التاريخية، حتى الفضاء العام، ممثلاً في المقاهي الشعبية، كان مسرحاً حياً لسيَر بني هلال وعنترة والزير سالم، ما يعني أن السرد كان جزءاً أصيلاً من نسيج الحياة اليومية، وحاضراً في الـمَضافات العامة للتجمعات السكانية.
اليوم، وكما ترى سروجي، نواجه ما يمكن وصفه بانحسار المد القرائي في مواجهة السيولة الرقمية، فدخول الشاشات والذكاء الاصطناعي لم يغير فقط وسيلة القراءة، بل غير بنية الانتباه لدى الطفل العربي، فبينما كانت القصة الشفوية أو الكتاب الورقي يتطلبان تركيزاً عميقاً وخيالاً نشطاً، أدت هيمنة النصوص البصرية القصيرة عبر الشاشات إلى خلق جيل يعاني من تشتت الانتباه وضعف القدرة على الانخراط في سرديات طويلة ومعقدة، فأدى هذا التحول إلى تآكل الأمن الثقافي، حيث أصبح الطفل متلقياً سلبياً لصور سريعة لا تترك مساحة للتأمل.
💬 التعليقات (0)