لو وضعنا جدل «بيزنطة» جانباً، وفكرنا بمن انتصر ومن هزم، في هذه الحرب التي لم يشهد لها الشرق الأوسط مثيلاً من قبل، ولو تساءلنا بدلاً من ذلك عن ميزان الربح والخسارة، بمنطق التجار الذين هم على شاكلة رئيس أكبر وأقوى دولة - ما زالت في العالم - وذلك بمقارنة ما أعلن من أهداف سياسية وعسكرية، للحرب التي شنها أولاً رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ، ثم انضم إليه فيها، وذلك في آخر فصولها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لاكتشفنا أن الحرب، دونما جدل، انتهت دون انتصار كامل أو هزيمة مطلقة لأحد الطرفين، ولكن دون تحقيق الأهداف السياسية والعسكرية المعلنة بالكامل، لكن الأخطر والأسوأ، أنها انتهت بخسائر فادحة للجميع، والجميع هنا، ليس طرفيها وحسب، مع تعدد من شاركوا فيها، ولكن معظم دول المنطقة، والعديد من دول وشعوب العالم.
ولم يكن شعار وحدة الجبهات من جهة، أو تعددها على الجهة المقابلة، هو الذي تسبب في مشاركة أطراف عديدة في الحرب، التي يمكن وصفها دون تردد بأنها كانت حرباً إقليمية، ذهبت بما أوقعته من خسائر بشرية واقتصادية في الشرق الأوسط، بأكثر مما أحدثته الحربان العالميتان الأولى والثانية في هذه المنطقة، واستمرت الحرب ثلاث سنوات، بما يظهر حجمها واتساعها، فهي لم تكن عملية عسكرية خاطفة، ولا كانت حرباً كسابقاتها في أعوام 48، 67، 73، 82، التي لم يزد زمن آخرها على ثلاثة أشهر فقط، وشملت ساحة الحرب كل أرض دولة فلسطين، قطاع غزة والضفة الغربية، ومعظم لبنان، ومعظم الجنوب السوري، كذلك شملت جغرافيا واسعة من إيران، ومناطق عديدة من اليمن، وبالطبع ولأول مرة في التاريخ كانت الجغرافيا الإسرائيلية ساحة للحرب أيضاً، بينما وصلت نار الحرب في محطتها الأخيرة دول الخليج الخمس (الكويت، البحرين، قطر، الإمارات، السعودية)، إضافة للأردن والعراق.
أي أن هذه الحرب استمرت ثلاثة أعوام، وشملت معظم دول الشرق الأوسط، حيث وقعت الخسائر البشرية، التي اقتربت من مائة ألف ضحية، ونحو ربع مليون جريح، معظمهم فلسطينيون من قطاع غزة بالطبع، الذي تعرض لحرب إبادة وفق وصف القضاء الدولي، أما الخسائر الاقتصادية، فقد بلغت عدة مئات من مليارات الدولارات، المنظور منها تجاوز المئة مليار دولار، نصفها دفعته الخزانة الأميركية على الإنفاق العسكري، خلال أربعين يوماً من المشاركة في الحرب على إيران، ومثلها كانت تكلفة الحرب على الميزانية الإسرائيلية، أما المدى غير المنظور أو غير المباشر، فهو يصل إلى رقم فلكي، توزع على دول الخليج العربي، التي تعرضت للخسائر الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة، جراء استهداف إيران للقواعد العسكرية الأميركية على أراضيها، كذلك الاقتصاد العالمي تعرض لخسائر فادحة جراء إغلاق مضيق هرمز.
أما بشكل محدد وفيما يخص ميزان الربح والخسارة السياسي، وبالعودة إلى ما أعلنته إسرائيل أولاً من أهداف عسكرية وسياسية، لحظة إطلاق نار الحرب في أكتوبر 2023، وكانت حصرتها في غزة، وكان أبعدها وأشملها التهجير، لأنه يجب ما قبله من أهداف معلنة، ثم بعد عام تقريباً من الحرب، وبعد اغتيال حسن نصر الله، وإسقاط نظام الأسد في سورية، بدأ نتنياهو بإعلان هدفه الأبعد من الحرب التي صارت إقليمية بشكل واضح، وهو إعادة ترتيب الشرق الأوسط، وفق مشروع إسرائيل الكبرى.
وهكذا تواصلت الحرب أولاً، ولم تعد مجرد عملية عسكرية في قطاع غزة، لمعاجلة حماس ، أو «توفير» الأمن لمستوطني غلاف غزة الإسرائيليين، لتنتهي بإعلان نتنياهو ملامح خطته للشرق الأوسط الجديد، بعد تحطيم إيران، ومعاجلة الدول الأخرى، تركيا ومصر والسعودية، لدرجة أنه أعلن تحالفه مع الهند واليونان وقبرص، ما دفع على الفور، الرباعي الإقليمي: السعودية، مصر، تركيا وباكستان، للتقارب فوراً، في مواجهة ذلك الحلف الذي بدأ يظهر إلى العلن، أما هدف تحطيم إيران، فقد دفع نتنياهو إلى مزيد من الكشف عن نواياه التوسعية، حيث لم يكتفِ بحرب الإثني عشر يوماً، التي يفترض أنها حققت الأهداف العسكرية، من تعطيل البرنامج النووي، ومن توجيه ضربة للبرنامج الصاروخي، وذلك وفق ما أعلنه نتنياهو وترامب الذي شاركه في عملية «مطرقة منتصف الليل» في ضرب «فوردو»، وكان هذا في شن حرب الأربعين يوماً، بشكل مشترك بين أميركا وإسرائيل، والتي اقتصرت على إيران، لكن إيران ردت بالزج بحزب الله/لبنان معها في ذلك الفصل من الحرب.
أهداف نتنياهو وترامب من الحرب على إيران، السياسية والعسكرية، شملت إسقاط النظام، تدمير القوة الصاروخية والمسيرات، قطع علاقة إيران مع من تسميهم الوكلاء، أي حلفاءها الاقليميين، والسطو على مخزونها من اليورانيوم، الذي وصفه ترامب وصفاً غير دقيق وغير علمي، بالغبار النووي، وإذا كانت إسرائيل رأت في حربها على إيران عملاً ضرورياً لقيام إسرائيل الكبرى، فإن ترامب وجدها ضرورية لكبح جماح التحدي الاقتصادي الصيني للاقتصاد الأميركي، بسبب من كون إيران أهم مصدر للطاقة إلى الصين، بأسعار رخيصة ناجمة عن منعها من التصدير، ووفق مقابل باليوان الصيني، بما يهدد السيطرة العالمية الأميركية الناجمة عن اعتماد الدولار عملة تداول تجاري عالمي.
💬 التعليقات (0)