كاتب فلسطيني، مدير مركز دراسات القدس بجامعة إسطنبول 29 مايو.
أورد السيوطي في كتابه "تاريخ الخلفاء" أن الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك كان لا يحب الدماء، وكان يتمنى أن يمر عليه يوم واحد دون دماء أو أخبار حروب ومؤامرات وثورات، فأحب يوما أن يخلو بنفسه في قصره بمدينة الرصافة بحيث لا يأتيه في ذلك اليوم غم، فما انتصف النهار حتى أتته ريشة مليئة بالدم من بعض الثغور، فانزعج وقال: "ولا يوما واحدا؟".
هذه القصة القصيرة تنطبق علينا اليوم، إذ لا نكاد نرتاح يوما من تقليعات تيار الصهيونية الدينية في إسرائيل وحلفائهم في الولايات المتحدة حتى يخرجوا علينا بغيرها. فما إن خفت ضجيج البقرات الحمراء الخمس- التي صدع هذا التيار وأنصاره في إسرائيل والولايات المتحدة، رؤوسنا بها، بعد أن ظهرت عيوب في ثلاث منها ولم تبق إلا اثنتان يبدو أنهما أيضا غير صالحتين لإتمام طقوس التطهير- حتى عاجلتنا الأنباء بولادة بقرة حمراء في منطقة الجليل شمالي الأراضي الفلسطينية، حيث ضجت وسائل التواصل الاجتماعي، ولا سيما لدى الجماعات المسيحية الإنجيلية في الولايات المتحدة، بخبر العثور على عجلة حمراء بالكامل- على الأقل حتى الآن- ولدت في إحدى المزارع الإسرائيلية في الجليل الأعلى.
البقرة الصغيرة تبدو حمراء بالكامل كما ظهر في الصور المتداولة لها، وتتجاوز العقبة الأساسية التي عانت منها البقرات الخمس التي أحضرت من تكساس عام 2022، وهي كونها مولودة في "أرض إسرائيل" حسب المفهوم الديني المعتمد لدى المرجعيات الدينية الحريدية. وبذلك فإنها كررت اليوم قصة البقرة الحمراء التي ولدت في إسرائيل عام 2005، واحتفت بها وسائل الإعلام يومها حتى نقلت إلى مزرعة خاصة في منطقة النقب، قبل أن تظهر فيها عدة شعرات سوداء خيبت آمال من كانوا ينظرون إليها على أنها معجزة تحققت.
الأمر الذي أثار الاهتمام بهذه البقرة بالذات كان ولادتها في منطقة الجليل خلال الحرب الجارية بين حزب الله وإسرائيل، وهو ما جعل بعض أفراد هذه الجماعات الدينية يرون فيها إشارة إلهية كونها ولدت "تحت نيران العدو".
وهذا الفهم لفكرة "الإشارات الإلهية" ليس جديدا على هذه الجماعات، حيث أذكر مرة أن أحدهم نشر فيديو لعدد من أفراد جماعات المعبد المتطرفة أثناء اقتحامهم المسجد الأقصى على درجات ساحة الصخرة الشمالية، لتمر بينهم سيدة عجوز فلسطينية محنية الظهر، فاعتبر بعضهم أن هذه "إشارة إلهية" تبين "إحناء ظهر أبناء إسماعيل لأبناء إسحاق"، ولذلك فلا نستغرب أن يسمي هؤلاء هذه البقرة "إشارة إلهية"، تيمنا بأنها إشارة إلى قرب ظهور المسيح الذي ينتظرونه.
💬 التعليقات (0)