تحت أشعة الشمس الحارقة في مدينة غزة، تنهمك طواقم فنية وعمال في مهمة شاقة وحساسة بين تلال الرمال وشواهد القبور المحطمة. يراقب العمال حركة الجرافات بدقة متناهية، بحثاً عن أي أثر لأكفان بيضاء قد تبرز من بين التربة المجرفة، في محاولة لاستعادة جثامين الشهداء والموتى التي طمرها القصف الإسرائيلي الممنهج.
شهدت مقبرة الشيخ رضوان، الواقعة غرب مدينة غزة، دماراً واسعاً طال جانبيها الشرقي والجنوبي، مما أدى إلى اختفاء معالم مئات القبور تماماً. هذا التدمير لم يكتفِ بقتل الأحياء، بل لاحق الأموات في قبورهم، محولاً الجثامين المعلومة سابقاً إلى رفات مجهولة الهوية بعد ضياع الشواهد والبيانات الدالة عليها.
أعلنت وزارة الأوقاف بالتعاون مع لجنة إدارة الجثامين عن بدء المرحلة الأولى من مشروع وطني لإعادة تأهيل وترميم المقابر التي اعتدى عليها جيش الاحتلال. ويهدف المشروع بشكل أساسي إلى صون كرامة الموتى وجمع الرفات المبعثرة نتيجة عمليات التجريف والقصف التي استهدفت البنية التحتية للمدافن في مختلف مناطق القطاع.
تتألف اللجنة المشرفة على العمل من ممثلين عن وزارة الصحة والدفاع المدني والأدلة الجنائية، بالإضافة إلى الطب الشرعي ووزارة الأوقاف. وتعمل هذه الفرق بتكامل لضمان توثيق كل جثمان يتم انتشاله، مع التركيز على الجوانب الشرعية والقانونية والفنية في التعامل مع الرفات المتحللة.
أفادت مصادر مسؤولة بأن العمل بدأ في مقبرة الشيخ رضوان نظراً لحجم الدمار الكبير الذي لحق بها وتكرار استهدافها. ومن المقرر أن يمتد المشروع لاحقاً ليشمل كافة المقابر التي يمكن الوصول إليها في مدينة غزة وشمال القطاع، لترميم ما دمره الاحتلال خلال أشهر الحرب الطويلة.
تواجه الطواقم تحدياً كبيراً في تحديد هويات الجثامين، حيث تحطمت الشواهد الإسمنتية والرخامية التي كانت تحمل الأسماء والتواريخ. وأكدت المصادر أن غالبية القبور التي يتم التعامل معها حالياً باتت مجهولة، مما يضع عبئاً إضافياً على فرق الأدلة الجنائية في محاولة بناء قاعدة بيانات جديدة.
💬 التعليقات (0)