أمد/ في زمن تزاحمت فيه المدونات وتناثرت الحروف كرذاذ المطر على صفحات الورق،يبرز العنوان كأيقونة ضوئية تتصدر المشهد الثقافي،محتلا موضع القدسية في جسد العمل الأدبي.
لقد تضاعفت مكانته مع تزاحم الأبحاث والدراسات التي سعت إلى مقاربة إشكاليته، متلمسة أبعاده النظرية والتطبيقية،إذ أن لحظة عبور القارئ عتبة العنوان تمثل منعطفا حاسما في رحلة التلقي،وبوابته السرية إلى دهاليز النص ومناطقه الخفية.
إن التغاضي عن قدسية تلك اللحظة الأولى، والانسياب فوق العنوان دون توقف تأملي،يشبه إهمال مفتاح كنز ثمين،ذلك أن إغفال قراءة العنوان بحضور ذهني كامل وشغف معرفي متقد، قد يفضي بنا إلى متاهات التأويل الخاطئ، فتضيع منا خيوط المعنى وتتبدد جواهر النص. من هنا،اتجهت الدراسات الحداثية إلى التعامل مع العنوان ككيان قائم بذاته،نص صغير يحمل في طياته أسرار أخيه الأكبر،وهو ما ذهب إليه ليو هوك في دراستيه البارزتين "نوعية العنوان" و"سيميولوجيا العنوان"،إضافة إلى ما طرحه جيرار جينيث في كتابه الرائد "معمار النص"، معتبرا إياه جزيئا لغويا مكثفا يختزل الكون النصي بأكمله.
يتبدى العنوان الشعري خصوصا كبنية لغوية مترعة بالإيحاءات،مركبة من مفردات تتطلب غوصا تركيبيا ودلاليا،لاستنطاق ما يرمي إليه الشاعر من مرامي وأغراض.إنه يتجلى عبر سطور كالغرافيتي البصري،يمكن تأويلها سيميائيا على مستوى الخط الكاليغرافي،كما يحيل إلى فضاءات ثقافية واجتماعية وإيديولوجية تشكل مرجعياته الخفية،ليكون بؤرة استقطاب تختزل النص بكامله،كمرآة صغيرة تعكس أفقا لا متناهيا من المعاني.
ليست المسألة مجرد تسمية عابرة،بل هي-كما يرى ليو هوك-عنصر سلطوي ينظم عملية القراءة، ويفرض هيمنته على أي تأويل محتمل للنص.وهنا تبرز إغرائية العنوان كوظيفة جوهرية،حيث يسعى المبدع -عبر اختياراته المحسوبة-إلى استفزاز فضول القارئ،وإجباره على ولوج عوالم النص، لاكتناه خفاياه،فتتولد لديه متعة الاكتشاف، مرد ذلك إلى الانزياح العنواني الذي يطرح تساؤلات عدة،عاكسا براعة المؤلف في التلميح من خلال تركيبه اللغوي البسيط المعقد في آن.
لا ينبت العنوان اعتباطا من تربة الصدفة،بل يولد من رحم التفاعل العميق بين المبدع ومتواليات نصه،فهو يحمل هوية المجموعة الإبداعية،معبرا عن أكثر الأعمال قربا إلى نفس صانعها،وأعلاها تعبيرا عن مكنوناته النفسية والثقافية،وأوسعها شمولية لتمثلات القصص المشاركة.
💬 التعليقات (0)