منذ ما يقارب ألفي عام على الأقل، امتد طريق متشعب بآلاف الأميال عبر الصحراء القاحلة والجبال الوعرة والسهول، وربط بين مشارق الأرض ومغاربها. عُرف هذا الطريق باسم طريق الحرير، ولم يحمل بين ممراته قوافل الجمال والجياد المحملة بالسلع فحسب، بل مرت منه الكتب والأخبار، وجرَّ التجار معهم ثقافاتهم وأدبهم وطرق عيشهم التي زرعوها في محطات توقفهم عبر طريق الحرير.
كان طريق الحرير مسلكا سياسيا لتوسع الإمبراطوريات ومسارا لانتشار الأديان والعقائد، ومن ضمنها تعاليم الإسلام التي حملها التجار الفاتحون كرسالة لشعوب طريق الحرير في آسيا وأقصاها.
"طريق الحرير لم يكن مجرد شبكة تجارية، بل كان شريانا حضاريا أتاح التبادل الاقتصادي والثقافي والسياسي بين شعوب وقارات متعددة".
رغم تضارب الروايات حول التاريخ الدقيق لنشأة طريق الحرير، يظل هذا الشريان أقدم من السجلات الرسمية؛ إذ يرجح الباحثان أيرين فرانك وديفيد براونستون في كتابهما "تاريخ طريق الحرير" أن الجذور الأولى للاتصال بين الصين والمتوسط تعود إلى ما يزيد عن 4 آلاف عام. ومع أن التاريخ "المتعارف عليه" لبداية المسير عبر آسيا يقع بين عامي (105 و115 ق.م)، إلا أن القوافل والمهاجرين والجنود سلكوا هذه الفجاج قبل زمن "ماركو بولو" بآلاف السنين.
وفي مقابل الجذور الغارقة في القِدَم، يُحدد الباحث رضا هوشمند في كتابه "من طريق الحرير إلى طريق الحزام" عهد "أسرة هان" (206 ق.م – 220 م) كبداية رسمية لتدفق التجارة نحو روما. فخلال عهد الإمبراطور "وو"، انطلقت رحلات "تشانغ تشيان" الاستكشافية نحو المناطق الغربية (آسيا الوسطى وشينجيانغ حاليا)، ليُدشن بذلك مسارا تاريخيا ينطلق من "تشانغآن" (شيآن الحالية) ويخترق قلب القارة وصولا إلى الساحل الشرقي للبحر المتوسط.
من الصعب رسم خط زمني واضح لميلاد طريق الحرير، غير أن الأساطير الصينية عن رحلات الصينيين نحو غرب آسيا، تروي قصصا خيالية عن أولى تلك الرحلات منذ آلاف السنين، وذكرت إحداها "حوليات الخيزران" والتي تعرف أيضا باسم "حوليات مقابر جي"، وهي سجل للتاريخ الصيني الأقرب إلى الأسطورة، دُونت في القرن الثالث قبل الميلاد.
💬 التعليقات (0)