أثار تخريج الدفعة الثالثة من الأئمة الجدد التابعين لوزارة الأوقاف المصرية، بعد إتمامهم دورة تدريبية في الأكاديمية العسكرية، موجة من الجدل الواسع عبر منصات التواصل الاجتماعي. وتأتي هذه الخطوة لتعكس توجهاً حكومياً جديداً يشترط اجتياز التدريب العسكري كمتطلب أساسي للتعيين في الوظائف الدينية والتعليمية.
ويرى مراقبون أن إلحاق الدعاة بالأكاديمية العسكرية تجاوز مجرد التدريب الإداري ليصل إلى فرض نمط من 'الضبط والربط' العسكري، بما يشمله من تدريبات بدنية شاقة وقواعد صارمة تتعلق بالمظهر العام مثل حلاقة اللحية. هذه الإجراءات تثير تساؤلات جوهرية حول المهارات التي يكتسبها الإمام داخل مؤسسة عسكرية وعلاقتها بفنون الخطابة والدعوة.
إن الفلسفة الكامنة وراء هذا التوجه تشير إلى رغبة النظام في تجاوز مرحلة 'التقارير الأمنية' التقليدية التي كانت تكتفي بضمان عدم انتماء الإمام لتنظيمات معارضة. الهدف الحالي يبدو متمثلاً في صناعة كوادر دينية تدين بالولاء المباشر للسلطة، ويتم تشكيل وعيها داخل أروقة المؤسسات السيادية للدولة.
تاريخياً، واجهت الدولة المصرية إشكاليات متعددة مع المنابر، بدءاً من عهد جمال عبد الناصر الذي حاول إبعاد المساجد عن السياسة، وصولاً إلى عهد السادات ومبارك. إلا أن المرحلة الحالية تسعى للانتقال من مرحلة 'تحييد المنابر' إلى مرحلة 'تأميمها' بالكامل لتصبح جزءاً من منظومة التوجيه السياسي والدعاية الرسمية.
لقد شهدت مصر عقب أحداث عام 2011 ما وصفه البعض بـ 'فوضى المنابر'، حيث تداخل الخطاب الديني مع الأجندات الحزبية والتيارات السياسية المختلفة. ويبدو أن النظام الحالي لا يزال حبيس تلك التجربة، مما دفعه لتبني سياسات احترازية متشددة تضمن سيطرته المطلقة على كل ما يُقال فوق أعواد المنابر.
المفارقة تكمن في أن الدولة تهدر مكاسب تراكمية حققتها 'هندسة الحالة الدينية' في عهود سابقة، حيث كان يتم التركيز على مرجعية الأزهر العلمية لمواجهة التشدد. أما الآن، فإن الاعتماد على معايير 'الطول والوزن' واللياقة البدنية لاختيار الأئمة قد يضعف من هيبتهم العلمية ومصداقيتهم لدى الجمهور.
💬 التعليقات (0)