لو كان دونالد ترامب الذي يتحدث عبر منصته على «تروث سوشيال» هو نفسه الذي عرفناه قبل أقل قليلاً من عام ونصف، لكان أطلق العنان لمواصلة الحرب بدرجة أعنف وأشد مما كانت عليه، قبل اللقاء الأميركي - الإيراني في إسلام أباد الذي جرى يوم السبت الماضي، وانتهى بعد واحد وعشرين ساعة من الحوار المتواصل، دون اتفاق، بل دون إعلان بيان، يؤكد مواصلة التفاوض مثلاً، أو حتى تمديد وقف النار، بل انتهى بإعلان مغادرة نائب الرئيس الأميركي بعد أن ترك عرضاً اعتبره نهائياً وأخيراً للجانب الإيراني، بما أكد أن إيران لم تستجب للمطالب الأميركية، وأنها ما زالت تواصل «المقاومة» السياسية، كما تواصل المقاومة العسكرية.
انسجاماً مع الشروط والتهديدات والمهل التي يعلنها ترامب، ومنها وقف إطلاق النار المؤقت لمدة أربعة عشر يوماً، تأتي عادة مشروطة، أي بصيغة، «إما ولا» وهذا ترجمته إما أن تعلن قبولها الاستسلام، من خلال الموافقة الصريحة على ما تقدمه لها واشنطن من عروض، وإلا تواجه الشق الثاني من التهديد، وآخرها كان التهديد باستهداف مراكز الطاقة والجسور، وحتى احتلال جرز إيرانية منها خرج وقشم، لكن شيئاً من هذا لم يحدث، بل إن فانس نفسه، الذي تصدى لمهمة الرجل الطيب، إلى جانب ترامب الرجل الشرير، غادر إسلام أباد، وقال إنه ترك العرض الأخير، بما يعني أن أمام إيران ما تبقى من المهلة المؤقتة لوقف إطلاق النار، لتوافق على العرض حتى دون عودة التفاوض، فأميركا ما زالت تعتبر مجرد موافقتها على اللقاء تنازلاً، ووقف إطلاق النار المؤقت تنازلاً، لأنها تظن أن إيران بحاجة فقط لحفظ ماء الوجه، لتوافق على الاستسلام، لذلك الموفد الأميركي لا يذهب للتفاوض، بل لتقديم المطالب، وفق صيغة «قبول الكل، أو رفض الكل»، وفانس قال إنه ترك لإيران العرض الأخير، وإلا فإن الأمور ستسوء كثيراً، وهذا تهديد وإن كان أقل حدة من تهديدات محو الحضارة.
كانت ردة فعل ترامب غريبة للغاية، فهو قال بالحرف إنه لا يبالي إن كانت المفاوضات ستستأنف أم لا، وتابع قائلاً، إنهم إن لم يعودوا فهو على ما يرام، ورافقته تصريحات أكثر من مسؤول أميركي بمن فيهم الأكثر منه تشدداً، نقصد وزير الحرب، بيت هيغسيث، تقول إن أميركا قد حققت ما أرادت من العمل العسكري، مع أن الحديث عشية الحرب، كان شيئاً آخر، وكان يشمل إسقاط النظام، وتسليم اليورانيوم المخصب، ومنع احتمال امتلاك إيران للسلاح النووي إلى الأبد، وسحق ترسانتها العسكرية، وكانت السيناريوهات تتراوح بين إسقاط النظام بإطلاق التظاهرات بعد الضربة الأولى التي شملت استهداف المرشد، والسيطرة على اليورانيوم والنفط الإيراني، وذلك لأن ترامب اعتقد أن إيران ستكون فنزويلا رقم 2، حتى أنه بدأ يعلن عن الهدف التالي، وهو كوبا، للسيطرة على أكبر قدر ممكن من الثروات العالمية، كل ذلك حتى تقوى أميركا على منافسة الصين اقتصادياً، وحتى تبقي على نظامها العالمي.
بل حتى إن المتنمر العالمي، الرئيس الأميركي، لم يعلن بعد عودة نائبه فانس «بخفي حنين»، عن التنصل من اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت، وأكثر من ذلك ضغط على إسرائيل لوقف الحرب على لبنان، والتمهيد لإطلاق التفاوض بين سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن، من أجل هذه الغاية، أي أن ترامب لم يعد يتحدث عن مواصلة الحرب، ووجد في الإعلان المؤقت عبر الوساطة الباكستانية، فرصته للخروج من ورطة الحرب، بماء الوجه الذي كان يبحث عنه أصلاً، لذلك فإن زمام المبادرة بات بيد إيران، فيما يخص هذا المسار، أي الموافقة على إجراء جولة تفاوضية أخرى قبل انتهاء مهلة الأسبوعين التي لم يعد يتحدث عنها أحد، ما يعني أنها صارت في خبر كان، وما يؤكد هذا هو لجوء ترامب إلى طريق آخر في المواجهة، هو طريق الحصار، بدلاً من مواصلة الحرب العسكرية، التي اقتصرت رغم استمرارها أربعين يوماً على القصف الجوي، ولم تنتقل للمرحلة البرية التي عادة ما تحسم الحروب بين الدول.
ولأنه في عرف السياسة من المعروف أنه خاصة في أوقات الحروب، عادة المتحاربون لا يهددون، بل ينفذون، وحين يستخدم التهديد، فهو يعني تحقيق هدف الضغط السياسي، وهذا ما فعله الأميركيون والإسرائيليون على نحو خاص، فهم في حروبهم يستندون إلى الخدع العسكرية، والى الاعتماد على الاستخبارات والأقمار الصناعية، والقوة الجوية، لأنهم دائماً معتدون، وترامب لم يحذر نيكولاس مادورو، بأنه سيقوم باختطافه، ولم يحذر إيران مرتين حين كان يفاوضها، لا في حزيران، ولا في آخر يوم من شباط الماضي، ولم يكن قرار الحرب مفاجئاً أو ابن لحظته، فقد كان معداً له جيداً، وجاء خلال التفاوض، بهدف «تعمية الخصم» ومباغتته، إذاً فإن كل ما كان يطلقه ترامب من تحذيرات كان للضغط السياسي، لأن الحرب ببساطة ليست لعبة مسرحية، يشرح فيها المخرج، تتابع المشاهد، وصولاً للنهاية.
على أي حال، وجد ترامب ضالته للخروج من المواجهة العسكرية، من خلال ما أعلنه من حصار يستهدف الموانئ الإيرانية، وهذا أمر مختلف بالطبع تماماً عن فتح مضيق هرمز بالقوة العسكرية، لأن فرض البحرية الأميركية الحصار على الموانئ الإيرانية، يضغط عليها اقتصادياً، ولا يمنحها المبرر باستهداف تلك القطع العسكرية بالنار، هذا على اعتبار أن الحصار عمل غير عسكري، وهذا قد يحقق لأميركا تعويضاً عن وجودها الذي تضرر عبر قواعدها العسكرية في المنطقة، بل والذي وقف حتى قبل أن يتضرر عاجزاً عن كسر القبضة الإيرانية على الشريان المائي المتمثل بمضيق هرمز.
💬 التعليقات (0)