ليست أخطر الأيديولوجيات تلك التي تمجد الحرب فحسب، بل تلك التي تعجز عن تخيل عالم خارجها. فعندما تتحول الحرب من أداة استثنائية إلى عدسة دائمة لفهم الواقع، يصبح السلام نفسه موضع ريبة، وتتحول أي محاولة للتسوية إلى تهديد ينبغي مقاومته لا فرصة ينبغي اغتنامها.
وهذه الظاهرة ليست مجرد مسألة نفسية أو خطابية، بل مشكلة سياسية عميقة تؤثر في مصير الشعوب والدول. فالأمم التي تنجح في تحويل قوتها إلى سلام تبني استقرارًا طويل الأمد، أما الأمم التي تبقى أسيرة منطق الصراع الدائم فإنها تجد نفسها عاجزة عن جني ثمار قوتها مهما بلغت.
ومن هنا يمكن فهم أحد أكثر التناقضات حضورًا في المشهد الإسرائيلي المعاصر. فمنذ عقود طويلة تقدم إسرائيل نفسها باعتبارها دولة قوية ومستقرة وراسخة الوجود، تمتلك تفوقًا عسكريًا وتكنولوجيًا واقتصاديًا واضحًا، وتحظى باعتراف دولي واسع وعلاقات متنامية مع دول عديدة. لكن هذه الصورة تترافق في الوقت نفسه مع خوف مستمر من أي تسوية تاريخية حقيقية مع الفلسطينيين، وكأن السلام نفسه أصبح تهديدًا وجوديًا.
هنا يبرز سؤال يصعب تجاهله: إذا كانت إسرائيل واثقة من شرعيتها ومن قدرتها على الاستمرار، فلماذا يبدو السلام مخيفًا إلى هذه الدرجة؟
إن الدولة الواثقة من نفسها لا تخشى التسويات السياسية، بل تسعى إليها عندما تدرك أن استمرار الصراع يستهلك مواردها ويقيد مستقبلها. أما عندما تصبح كل مبادرة سلام مصدرًا للشك، وكل حديث عن الحقوق الفلسطينية مدعاة للقلق، وكل تسوية محتملة خطوة نحو "الخطر الوجودي"، فإن القضية لا تعود مرتبطة بالأمن وحده، بل تمتد إلى طبيعة العلاقة مع مفهوم الشرعية نفسه.
في هذا السياق، يمكن فهم انتشار الخطابات التي تتعامل مع أي مبادرة لوقف الحرب أو خفض التوتر باعتبارها مقدمة لكارثة استراتيجية. ففي هذا النوع من التفكير لا يُنظر إلى السلام باعتباره وسيلة لتحقيق الأمن، بل باعتباره خطرًا قد يزعزع منظومة كاملة قامت على استمرار الصراع.
💬 التعليقات (0)