أتملّى خرائط القارّات، فألحظ أنّ الخراب والموت والسواد الثقيل يرمّد الأماكن، إلى حدّ الفجيعة! وأرى عجاجَ الحروب يدوّم في كلّ زوايا الأرض. وثمّة أسرابٌ نازحةٌ لاجئة، هائمة نحو المجهول، تخبّ في الوحول، مدمّاة جوعى..كأنّ الفجائع هي مصائر البشر الأكيدة! وأسـأل: لو أنّهم حوّلوا تكاليف الحروب والمعارك وأثمان الأسلحة، وما تبتلعه الصدامات الجهنّميّة من أموال وجهود، وجعلوها في مشاريع التنمية والرفاهية..لعاش البشرُ سلاطينَ في جنّتهم الأرضية. لكنّه الجشع والطمع ومفردات الاحتكار والاستغلال والعنصرية، الباطلة الوثنيّة.
وما نفعله من كتابة وسرديّات وخطابات، لا يعدو كونه محاولة طموحة، لإعادة الحياة الصافية المُعافاة إلى الناس..على رغم عوامل الاحباط المُمضّة، التي، أحيانا، تجعل البعض يفقد الجدوى من الحروف. مع أنها صوت ونكهة وعُصارة مَنْ تأمّلوا في صفحات الوجود، وأدركوا ضرورة الميزان واجب الوجود، حتى يظلّ الوحشُ دون قمصانه المُخاتلة السّامّة، ووحيداً في الغابة.
كأن كلّ ما هبط من وحي، وما استخلصه البشريُ من المناقع والحرائق، لم يكن كافياً للاستجابة إلى ما توافقت عليه الأُمم، من ضرورة بالغة، لتوقير حقوق الإنسان، من عدلٍ ومساواةٍ وسيادةٍ وحريّة، وهو الذي اكتشف زواج البذرة من الطمي، وسجّل سيرتَه بعجين الألواح.
إنها المصلحة، إذن! التي تشدّ وتجذب وتقلب، وتجد لنفسها الذرائع الأخلاقية بعد كلّ مذبحة، أو إبادة، مثلما تلقى التأويل والمرافعة والمخارج، لكلّ الفظاعات والضلالات والمخازي.
إنّ الغرب المُتتشاوِف البغيض الذي أمطرنا، عقودا، بخطابات حقوق الإنسان، هو نفسه الذي انتهكها، بعجرفة وعربدة وساديّة، ونافح عن القاتل بفجاجة كريهة. وحتى يبقى على صورته النظيفة، أي يظلّ عنوانا للدفاع عن حقوق البشر بعد الإبادات والتطهير العِرقي الذي اقترفه بجنون، فقد ذهب إلى استعادة لغة حقوق الإنسان. بلغة أخرى قام بتشكيل مجلس للسلام، في غزة، مدّعيا أنه هو الذي أوقف المذبحة، وسيعمل على حماية الضحايا وتعمير بيوتهم ومنشآتهم. كما استعاد خطاب المُحافِظ على الحقوق والحرّيات، بصلف ووقاحة..وما فتئ يكرر مقولات تمّ استنفاذها وانتهاكها، جهارا نهارا. وراح يدافع عن المجرم بتوفير مرافعاتٍ تبرّر ما اجترحه من فظاعات مدوّية، وتحميل الضحيّة مسؤولية ما حدث. ومكّن القاتل من أن يبتزّ العالَم بتذكيره بالهولوكست، أي أن ثمّة "ضحية" قديمة، على الدنيا ألا تنساها! في محاولة يائسة لإعادة الجزّار إلى صورة الضحية من جديد..عبر الإعلام والتلفيق والبربوغندا والأفلام والتكرار.
إن استعادة لغة الإبادة وتحويرها والالتفاف عليها، وتنقيتها وبثّها من جديد، هو دَيْدَن الغربي العنصري الفوقيّ، الذي لا يوفّر جهدا في أن يُبقي الكوكب غابته المُستباحَة، التي يصول ويجول فيها، دون رقيب أو حسيب. أو كما تقول د.غانية ملحيس "اللغة بوصفها مسرح الإبادة الحديثة"..فاللغة، هنا، لا تصف العنف، بل تُعيد إنتاجه عبر فصله عن جذوره السياسية والاستعمارية..وحين يُعترَف بالمعاناة دون الاعتراف بالفاعل، تتحوّل اللغة من قيمة أخلاقية إلى قناع يُشرعِن استمرار العنف.
💬 التعليقات (0)