منذ أن واجه العالم العربي والإسلامي صدمة الحداثة الغربية في القرن التاسع عشر، انطلقت سلسلة من المشاريع الفكرية الهادفة إلى تشخيص أسباب التأخر التاريخي والبحث عن سبل النهضة. وقد توزعت هذه المشاريع بين اتجاهات إصلاحية ودينية وليبرالية وقومية وماركسية، إلا أن السؤال المركزي ظل ثابتاً: لماذا فشلت النهضة العربية في التحول إلى مشروع تاريخي قادر على إنتاج الحداثة والعلم والديمقراطية؟
يُعد محمد عابد الجابري من أبرز المفكرين الذين حاولوا تقديم إجابة جذرية عن هذا السؤال. ففي مشروعه النقدي الضخم "نقد العقل العربي"، انتقل من تحليل الظواهر السياسية والاقتصادية إلى تفكيك البنية المعرفية العميقة التي تحكم الثقافة العربية. لقد كان مقتنعاً بأن أي مشروع نهضوي لا يسبقه نقد للعقل المنتج للتخلف سيبقى أسيراً للدوران داخل الحلقة المفرغة ذاتها.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة عندما تُقرأ إلى جانب التحليل الماركسي للاستبداد والتبعية والاستعمار، وعندما تُربط بمسألة الهيمنة الصهيونية وتراجع القضية الفلسطينية بوصفها إحدى النتائج التاريخية للأزمة الحضارية العربية المعاصرة.
أولاً: النهضة العربية المؤجلة وسؤال الإخفاق التاريخي
لم تكن النهضة العربية مجرد حركة ثقافية، بل كانت مشروعاً للتحرر من الانحطاط التاريخي الذي أصاب المجتمعات العربية منذ القرون الأخيرة للدولة العباسية وما تلاها من عصور التفكك السياسي والجمود الفكري.
غير أن النهضة العربية، منذ رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، واجهت معضلة مزدوجة: كيف يمكن التوفيق بين التراث والحداثة؟ وكيف يمكن بناء مجتمع حديث دون الوقوع في التبعية للغرب؟
💬 التعليقات (0)