شهدت الفضاءات الرقمية والواقعية في المدن السورية الكبرى مثل دمشق وحلب مؤخراً طفرة غير مسبوقة في إعلانات السيارات الحديثة، حيث امتلأت الشوارع بنماذج صينية وكهربائية متطورة. هذا المشهد يأتي بعد سنوات طويلة من الانغلاق الاقتصادي والتركيز على تأمين الاحتياجات الأساسية كالخبز والوقود، مما يشير إلى لغة استهلاكية جديدة بدأت تفرض نفسها على المجتمع السوري المثقل بالتبعات المعيشية.
إن التمعن في هذا المشهد يكشف أن السيارة في الوجدان السوري تتجاوز وظيفتها كأداة للنقل لتصبح معياراً للنجاح والاستقرار الشخصي. فمنذ عقود، ارتبطت ملكية المركبة في سوريا بمفاهيم الندرة والامتياز الطبقي، حيث كان الحصول على سيارة خاصة يتطلب سنوات من الانتظار ضمن قوائم حكومية، مما جعلها رمزاً للوصول إلى الموارد المحدودة وشبكة العلاقات الاجتماعية.
في بدايات الألفية الجديدة، وتحديداً قرابة عام 2006، بدأت ملامح الانفتاح تظهر مع دخول ماركات مثل نيسان وكيا وهيونداي، وهو ما عكس لحظة توسع نسبي للطبقة الوسطى السورية. في تلك الفترة، كان امتلاك سيارة حديثة بمثابة إعلان رسمي عن الانتقال إلى نمط حياة أكثر استقلالية ورفاهية، بعيداً عن ضجيج وسائل النقل العامة المتهالكة التي ميزت عقود الثمانينيات.
لكن سنوات الحرب الطويلة غيرت هذه المعادلة جذرياً، حيث توقفت عجلة التجديد وتحولت الشوارع إلى ما يشبه المتاحف المفتوحة لسيارات قديمة تعود لفترة التسعينيات. واضطر السوريون خلال تلك الفترة إلى ابتكار حلول للبقاء، فازدهرت ورش التصليح وتجارة القطع المستعملة، وأصبح الحفاظ على السيارة القديمة صراعاً يومياً يعكس صراع الطبقة الوسطى من أجل البقاء وعدم التلاشي.
مع الانتقال إلى المرحلة الحالية، تبرز السيارات الصينية، وخاصة علامة 'BYD'، كلاعب أساسي في السوق السورية الجديدة، حيث يتم تسويقها كخيار جذاب يجمع بين التكنولوجيا المتطورة والسعر المنافس. هذه الموجة لا تعبر بالضرورة عن تحسن شامل في دخل المواطن المقيم، بل تعكس تشكل شريحة اجتماعية جديدة تعتمد في تمويل مشترياتها على التحويلات المالية من الخارج أو العمل في أسواق الخليج وأوروبا.
يشير المحللون إلى أن 'الأوتوموبيلية' أو ثقافة السيارة في سوريا اليوم، تختلف عن تجارب دول أخرى كالصين، فبينما ارتبط انتشار السيارات هناك بنمو الطبقة الوسطى، فإنه في سوريا يأتي وسط تآكل هذه الطبقة. السيارة الصينية اللامعة في شوارع دمشق المزدحمة تمثل مفارقة صارخة بين رغبة جزء من المجتمع في استعادة مظاهر الحياة الطبيعية وبين واقع اقتصادي متهالك يفتقر لأدنى مقومات البنية التحتية.
💬 التعليقات (0)