لنبدأ قصتنا بمشهد تخيلي لكنه قادم من عالم الحقيقة. في الساعات الأولى من فجر أحد أيام أبريل/نيسان 2026، ناقلة نفط عملاقة تحاول شق مياه عنق زجاجة العالم في مضيق هرمز في خضم حرب عاصفة. فجأة، بدأت شاشات الرادار في غرفة القيادة تضج بنقاط متسارعة؛ زوارق سريعة تابعة لبحرية الحرس الثوري الإيراني تحيط بالناقلة كأسراب الذئاب البحرية. لم تكن هذه المرة نداءات روتينية للتحقق من الهوية؛ بل كان الأمر أشبه بـ"نقطة تفتيش برية" نُقلت إلى قلب البحر.
عبر اللاسلكي، جاء صوت حازم باللغة الإنجليزية يطالب قبطان السفينة بدفع رسوم العبور. لم يكن هذا المشهد المحتقن مجرد مناوشة عسكرية فرضتها حسابات الحرب المستعرة، بل كان بمثابة إعلان عن إعادة واحدة من أقدم الكارتات البحرية في التاريخ. لوهلة ظن العالم أن ما يحدث جزءا من الضريبة التي فرضتها إيران على التجارة العالمية بسبب الحرب، وأنها ستزول بمجرد انتهائها، ولكن بمرور الوقت سيتبين أن طهران كانت تضع الحجر الأخير في إستراتيجية صامتة ومدروسة لـ "توطين" المضيق، وإعادة تقديم أخطر اختناق مائي في العالم بوصفه ملكية خاصة و"شباك تذاكر" وطني خالص، فارضة على العالم واقعا جديدا: زمن العبور المجاني والآمن قد ولّى، وأهلا بكم في عصر "الكارتاز الإيراني".
لعقود طويلة من الزمن، تعامل أغلب المحللين وصناع القرار في الغرب مع إدارة إيران لملف مضيق هرمز من زاوية صِفرية لا ترى إلا سيناريو من اثنيْن: إما إبقاء المضيق مفتوحا على مصراعيه بضمانة انتشار البحرية العسكرية الدولية، أو إغلاقه عسكريا بشكل كلي. لم يترك هذان الخياران أي مفر إلا نسف المعبد على رؤوس الجميع إن اندلعت حرب كتلك التي أشعلتها الولايات المتحدة وإسرائيل في فبراير/شباط 2026.
"كان صناع القرار في طهران، ربما منذ قرون، يرسون القواعد لفرض أمر واقع مختلف كليا"
في الظل، كان صناع القرار في طهران يرسون القواعد لفرض أمر واقع مختلف كليا. لم تَعُد إيران مكتفية بالتخندُق دفاعيا وراء الشريان المائي الحرج، بل تمارس سياسة اختراق مُتدرجة استهدفت "توطين" المضيق بسحب الصفة الدولية عنه، وتحويله إلى ممر وطني خالص. كان نصيب آيات الله، وهم ورثة هذه الفكرة وليسوا أول من طرحها، المخاطرة بمحاولة إلقاء حجر أخير في المياه الراكدة، سعيا لفرض واقع جيو-اقتصادي جديد، إما بانتزاع اعتراف عالمي بأن المضيق إيراني، أو بإجبار العالم على التواؤم مع فكرة أن زمن العبور الآمن والمجاني الذي اعتادوا عليه قد ولَّى.
لا يعتبر الوعي الجمعي الإيراني مضيق هرمز مجرد قناة مائية دولية تصادف وجودها على حدود البلاد، بل يُنظَر إليه على أنه امتداد للروح الفارسية التي منحت المضيق اسمه وفق الرواية الإيرانية. ويرى بعض المؤرخين أن اسم "هرمز" تطوُّر لفظي لكلمة "أورمزد" في اللغة الفارسية الوسطى، التي تنحدر بدورها من "أهورامزدا"، الإله الأسمى وخالق الكون في الديانة الزرادشتية، التي دانت بها الإمبراطوريات الفارسية القديمة. منح هذا الارتباط الديني المضيق في الوعي القومي الإيراني بُعدا يتجاوز الجغرافيا، إذ تحوَّل إلى مجال لسيادة النظام في مواجهة الفوضى التي يمثلها أعداء الأمة الإيرانية.
💬 التعليقات (0)