افتتح تشارلز ديكنز روايته الشهيرة "قصة مدينتين" عام 1859 بجملته الخالدة: " كان ذلك أفضل الأزمنة، وكان ذلك أسوأ الأزمنة". وبعد أكثر من قرن ونصف، ربما لا يوجد ما يجسد هذا التناقض بصورة أوضح من الواقع الذي يعيشه الفلسطينيون والإسرائيليون على أرض واحدة في ظل الفروقات الكبيرة بينهم في مستويات التقدم والازدهار الاقتصادي.
ففي وقت سابق من العام الماضي، أعلنت شركة Alphabet المالكة لـ Google استحواذها على شركة Wiz الإسرائيلية المتخصصة بالأمن السيبراني وأنظمة الذكاء الاصطناعي في صفقة قُدّرت بنحو 32 مليار دولار، لتصبح واحدة من أكبر صفقات التكنولوجيا عالمياً في هذه الفترة. والمفارقة أن قيمة هذه الصفقة وحدها تتجاوز أكثر من ضعفي حجم الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني بأكمله.
ومن الصعب تجاهل دلالات هذه المقارنة. فإسرائيل تمتلك اليوم اقتصاداً يتجاوز فيه نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي 50 ألف دولار سنوياً، مدفوعاً بالصناعات المتقدمة والابتكار ومنظومة تكنولوجية ذات قدرة تنافسية عالمية. في المقابل، لا يزال الفلسطينيون يواجهون اقتصاداً يقل فيه نصيب الفرد من الناتج المحلي عن 3 آلاف دولار، مع استمرار معدلات البطالة المرتفعة، ومحدودية القدرة على تحقيق نمو مستدام في ظل قيود هيكلية وسياسية معقدة.
لكن جوهر الفجوة لا يكمن فقط في تفاوت الثروة، بل أيضاً في تفاوت القدرة على الإنتاج.
فعلى مدار عقود، عمل الاقتصاد الفلسطيني ضمن بيئة شديدة التعقيد فُرضت عليه بسبب سياسات وإجراءات الاحتلال الإسرائيلي التي أعاقت قدرته على التطور الطبيعي. فسياسات الإغلاق والقيود الإسرائيلية الشديدة على الحركة لا تزال تُقيد التجارة والاستثمار وتنقل الأفراد والبضائع، فيما يستمر الانقسام الجغرافي والمؤسساتي بين الضفة الغربية وقطاع غزة في تفتيت الأسواق الفلسطينية وإضعاف تكاملها الاقتصادي. كما تبقى المناطق المصنفة "ج"، التي تضم مساحات واسعة من الأراضي والموارد الطبيعية، خارج أي قدرة فلسطينية فعلية على التنمية والاستثمار.
إلى جانب ذلك، ساهمت الاقتطاعات المتكررة لعائدات المقاصة الفلسطينية واحتجازها بصورة غير قانونية من قبل إسرائيل في تعميق الأزمة المالية وتقويض قدرة الحكومة الفلسطينية على التخطيط الاقتصادي طويل الأمد. والنتيجة كانت وما تزال اقتصاداً يميل بصورة متزايدة نحو الاستهلاك والاعتماد على المساعدات والتحويلات، بدلاً من اقتصاد قائم على الإنتاج وخلق القيمة المضافة.
💬 التعليقات (0)