تجسد الصحفية الأسترالية ماري كوستاكيديس نموذجاً للإعلام الأخلاقي الذي يدفع ثمن انحيازه للعدالة الإنسانية، حيث وضعتها مواقفها الداعمة للفلسطينيين في مواجهة مباشرة مع اللوبي الصهيوني في أستراليا. وقد توجت هذه المسيرة مؤخراً بفوزها بجائزة 'غاري ويب لحرية الصحافة' لعام 2026، وهي جائزة دولية مرموقة تمنحها مؤسسة 'Consortium News' تكريماً لشجاعتها الاستثنائية في نقل الحقيقة.
ولدت كوستاكيديس عام 1954 في مدينة فيريا باليونان، قبل أن تهاجر عائلتها إلى أستراليا حيث استكملت تعليمها في جامعة سيدني ونالت تخصصات في الفلسفة واللغات والتربية. بدأت حياتها العملية في مجالات أكاديمية وبحثية، لكن بريقها الحقيقي ظهر في العمل الإعلامي والميداني، خاصة في قضايا المهاجرين وحقوق الإنسان التي شكلت جوهر هويتها المهنية.
تعتبر كوستاكيديس من الجيل المؤسس لهيئة البث العامة الأسترالية (SBS) في عام 1980، حيث ساهمت في بناء وحدة الترجمة وتطوير السياسات التحريرية للمحطة. وبفضل كفاءتها، انتقلت من العمل الإداري لتصبح الوجه الأبرز للنشرة الإخبارية المسائية الرئيسية لأكثر من عقدين، مما جعلها واحدة من أكثر الشخصيات الإعلامية ثقة في البلاد.
في عام 2007، اتخذت كوستاكيديس قراراً مفصلياً بالاستقالة من غرفة أخبار SBS احتجاجاً على تغييرات رأت أنها تقوض المعايير المهنية للمحطة، بما في ذلك إقحام الإعلانات في البرامج الإخبارية. لم تكتفِ بالاستقالة، بل خاضت معركة قضائية ضد المؤسسة بتهمة خرق العقد والتعرض للتنمر، وهي القضية التي انتهت بتسوية ودية خارج المحكمة.
لم ينحصر دور كوستاكيديس في الشاشة فحسب، بل كانت صوتاً قوياً في المحافل الحقوقية، حيث ترأست مؤسسة سيدني للسلام وعينت في اللجنة الاستشارية الوطنية لحقوق الإنسان. وقد عرفت بدفاعها المستميت عن حرية الصحافة، وكان لها دور بارز في دعم مؤسس ويكيليكس جوليان أسانج، حيث منحته الميدالية الذهبية للسلام والعدالة في عام 2011.
اتخذت مواقف كوستاكيديس تجاه القضية الفلسطينية منحىً أكثر حدة مع تصاعد حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، حيث استخدمت منصاتها لتسليط الضوء على جرائم الاحتلال. هذا الوضوح الأخلاقي جعلها هدفاً مباشراً للاتحاد الصهيوني الأسترالي، الذي بدأ بملاحقتها قانونياً بتهم تتعلق بمكافحة التمييز العنصري بسبب منشوراتها الداعمة للحق الفلسطيني.
التعليقات (0)