يفتح كتاب الدكتور الصغير الزكراوي الصادر عن دار سوتيميديا لعام 2026، نقاشاً فكرياً وقانونياً حاداً حول مفهوم 'حالة الاستثناء' في السياق التونسي. ويركز العمل على كيفية تحول الإجراءات المؤقتة إلى واقع دائم يعيد تشكيل بنية الدولة والسيادة، متجاوزاً القواعد الدستورية التقليدية التي وضعت في يناير 2014.
ينطلق المؤلف من تأصيل مفاهيمي يربط بين الفلسفة السياسية والقانون الدستوري، مستحضراً نظريات كارل شميت وجورجيو أغامبن حول السيادة. ويرى الزكراوي أن الاستثناء ليس مجرد خروج عن القانون، بل هو إمكانية كامنة في صلب الدولة الحديثة تُفعل في لحظات الخطر الداهم لإعادة تعريف الشرعية.
يشكل الفصل 80 من دستور 2014 المحور المركزي للتحليل، حيث يصفه الكاتب بـ 'الدستور الاحتياطي' الذي يسمح بتعليق المسار العادي للسلطات. ويوضح الكتاب أن هذا النص يحمل قابلية للتوسع نتيجة مرونة مفاهيمه مثل 'الخطر الداهم'، مما يمنح السلطة التنفيذية هامشاً واسعاً للتأويل السياسي.
تتطرق المراجعة إلى غياب المحكمة الدستورية في التجربة التونسية كعامل حاسم أدى إلى اختلال التوازن بين السلطات. ففي غياب جهة رقابية مستقلة، أصبحت السلطة التنفيذية هي الخصم والحكم في آن واحد، مما مكنها من إنتاج معنى الاستثناء وحدوده الزمنية والموضوعية دون رادع قانوني.
يشير الزكراوي إلى أن حالة الاستثناء في تونس انتقلت من كونها أداة لضبط المخاطر إلى بنية تنظيمية شاملة للمجال السياسي. هذا التحول أدى إلى تراجع دور المؤسسات الوسيطة مثل البرلمان والأحزاب، لصالح مركزية القرار في يد السلطة التنفيذية التي تقدم نفسها كتعبير مباشر عن الإرادة الشعبية.
يحلل الكتاب كيف يساهم الخوف من الفوضى أو الانهيار الاقتصادي في دفع قطاعات اجتماعية لقبول توسيع الصلاحيات الاستثنائية. وبذلك يتحول الاستثناء من مجرد إجراء قانوني تقني إلى ثقافة سياسية جديدة تمنح الأولوية للأمن والاستقرار على حساب التوازنات الديمقراطية والضمانات الدستورية المعمول بها.
التعليقات (0)